شرذمة « 1 » . والاستثناء راجع إلى النّفي المستفاد من كلمة التّحضيض ، والمعنى : ما كان من القرون غير قليل من ذوي عقل وفضل .
وقيل : إنّ الاستثناء منقطع ، والمعنى : ولكن قليلا
مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ
« 2 » .
وعليه يكون حاصل المفاد أنّه لم يكن في الأمم السّابقة الطّاغية رجال صلحاء ينهونهم عن المنكر ، حتّى لا ينزل عليهم العذاب ، نعم قليل منهم نهوهم عن المنكر ، فنجوا من العذاب ، وهم أتباع الأنبياء .
وأمّا غيرهم فتركوه
وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا
أنفسهم بارتكاب الفساد ، وترك النّهي عن المنكر
ما أُتْرِفُوا
وانعموا ، أو أطلقوا وتركوا
فِيهِ
من الشّهوات واللّذّات التي آثروها على رضا اللّه تعالى والنّعم الاخرويّة
وَكانُوا
لذلك
مُجْرِمِينَ
وصاروا عصاة طاغين ، ومستحقّين لعذاب الاستئصال ، مبتلين بأشدّ النّكال . أمّا جهّالهم فبسبب العصيان والطّغيان ، وأمّا علماؤهم فبسبب المداراة وترك النّهي عن المنكر .
روي أنّ اللّه لا يعذّب العامّة بعمل الخاصّة ، حتّى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروا فلا ينكرون ، فإذا فعلوا ذلك عذّب اللّه العامّة والخاصّة « 3 » .
[ سورة هود ( 11 ) : آية 117 ]
وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ ( 117 )
ثمّ نبّه سبحانه على أنّ تعذيبهم كان بمقتضى عدله بقوله :
وَما كانَ رَبُّكَ
وما صحّ له
لِيُهْلِكَ الْقُرى
بالعذاب
بِظُلْمٍ
منه لهم ، أو بظلمهم على أنفسهم بسبب الشّرك والعصيان
وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ
فيما بينهم ، منصفون في حقوق إخوانهم .
عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله :
« وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ
ينصف بعضهم من بعض » « 4 » .
حاصل الآية : أنّ اللّه لا يهلك قوما بمجرّد الشّرك واعتقاد الباطل ، وإنّما يهلكهم إذا سعوا في الفساد ، وظلموا النّاس ، فإنّ من رحمته تعالى أن يسامح في حقوق نفسه دون حقوق النّاس .
[ سورة هود ( 11 ) : الآيات 118 إلى 119 ]
وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ ( 118 ) إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ( 119 )
هامش
( 1 ) . الشّرذمة : الجماعة القليلة من الناس .
( 2 ) . تفسير روح البيان 2 : 200 .
( 3 ) . تفسير روح البيان 2 : 200 .
( 4 ) . مجمع البيان 5 : 309 ، تفسير الصافي 2 : 477 .