الجزاء . أو هو مطّلع على عملي وعملكم ، فيحفظني من مكركم وشرّكم .
[ سورة هود ( 11 ) : آية 58 ]
وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ ( 58 )
ثمّ أنّهم بعد تلك المواعظ والتّهديدات ، بالغوا في الإصرار على الكفر ومعارضة الرّسول ، فاستحقّوا عذاب الاستئصال ، فأخبر سبحانه بنزوله عليهم بقوله :
وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا
ونزّل عذابنا
نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ
وهم أربعة آلاف - على ما قيل « 1 » -
بِرَحْمَةٍ
عظيمة كائنة
مِنَّا
وهي التّوفيق للإيمان الذي أنعمناه عليهم ، والهداية له .
ثمّ بيّن سبحانه المراد من الأمر ، وما نجّاهم منه بقوله :
وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ
وشديد ، أنزلناه على الكافرين .
وقيل : أريد بالتّنجية الثّانية عذاب الآخرة « 2 » .
وإنّما ذكره لبيان تكملة النّعمة عليهم بالنّجاة في الدّارين ، وتشديده فيها على الكفّار .
عن القمّي رحمه اللّه : أنّ عادا كانت بلادهم في البادية من المشرق « 3 » إلى الأجفر أربعة منازل ، وكان لهم زرع ونخل كثير ، ولهم أعمار طويلة وأجساد طويلة ، فعبدوا الأصنام ، وبعث اللّه إليهم هودا يدعوهم إلى الإسلام وخلع الأنداد ، فأبوا ولم يؤمنوا بهود وآذوه ، فكفّت السّماء عنهم سبع سنين حتّى قحطوا .
وكان هودا زرّاعا ، وكان يسقي الزّرع ، فجاء قوم إلى بابه يريدونه ، فخرجت إليهم امرأة شمطاء عوراء فقالت : من أنتم ؟ قالوا : نحن من بلاد كذا وكذا ، أجدبت بلادنا فجئنا إلى هود نسأله أن يدعو اللّه حتّى تمطر وتخصب بلادنا ، فقالت : لو استجيب لهود لدعا لنفسه ، فقد احترق زرعه لقلّة الماء . قالوا : فأين هو ؟ قالت : في موضع كذا وكذا ، فجاءوا إليه فقالوا : يا نبيّ اللّه ، قد أجدبت بلادنا ولم تمطر فاسأل اللّه أن تخصب بلادنا وتمطر . فتهيّأ للصلاة وصلّى ودعا لهم فقال : ارجعوا فقد أمطرتم وأخصبت بلادكم ، فقالوا : يا نبيّ اللّه ، إنّا رأينا عجبا ، قال : وما رأيتم ؟ قالوا : رأينا في منزلك امرأة شمطاء عوراء قالت لنا : من أنتم [ وما ] تريدون ؟ فقلنا : جئنا إلى هود ليدعو اللّه لنا فنمطر ، فقالت : لو كان هود داعيا لدعا لنفسه ، فإنّ زرعه قد احترق . فقال هود : هي أهلي ، وأنا أدعو اللّه أن يطول لها البقاء . فقالوا : وكيف ذلك ؟ قال : لأنّه ما خلق اللّه مؤمنا إلّا وله عدوّ يؤذيه ، وهي عدوّ لي ، فلئن يكون عدو ممّن أملكه خير من أن يكون عدوّ من يملكني .
هامش
( 1 و 2 ) . مجمع البيان 5 : 260 .
( 3 ) . في المصدر : الشقيق .