فبقي هود عليه السّلام في قومه يدعوهم إلى اللّه ، وينهاهم عن عبادة الأصنام حتّى أخصبت بلادهم ، وأنزل اللّه عليهم المطر ، وهو قوله عزّ وجلّ :
يا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ . . .
الآيات .
فلمّا لم يؤمنوا أرسل اللّه عليهم الرّيح الصّرصر - يعني : الباردة - وهو قوله تعالى في سورة القمر :
كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ * إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ
« 1 » ، وحكى في سورة الحاقّة فقال :
وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ * سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً
« 2 » ، قال : كان القمر منحوسا بزحل سبع ليال وثمانية أيّام « 3 » .
وقيل : إنّ العذاب الغليظ هو السّموم « 4 » ، كانت تدخل أنوف الكفرة ، وتخرج من أدبارهم ، فتقطّعهم إربا إربا « 5 » .
[ سورة هود ( 11 ) : الآيات 59 إلى 60 ]
وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ( 59 ) وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ ( 60 )
ثمّ ذمّهم اللّه بعد إهلاكهم بقوله :
وَتِلْكَ
القبيلة المهلكة
عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ
ودلائل توحيده ، ومعجزات نبيّه
وَعَصَوْا رُسُلَهُ
جميعا بعصيانهم هودا ، لكون جميعهم على قول واحد
وَاتَّبَعُوا
في الكفر والعصيان
أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ
ومتمرّد عن الحقّ
عَنِيدٍ
ومعارض له .
قيل : « تلك » إشارة إلى قبورهم « 6 » .
ثمّ بيّن سبحانه سوء عاقبتهم عبرة للنّاس بقوله :
وَاتَّبَعُوا
واردفوا باتّباعهم رؤساء الضّلال ، الدّعاة إلى الكفر بالآيات ، وتكذيب الرّسل
فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً
وبعدا عن الرّحمة وعن كلّ خير ، بحيث لا يفارقهم أبدا ، بل يدور معهم حيثما داروا
وَ
كذا
يَوْمَ الْقِيامَةِ
ويكون أثر بعدهم الدّخول في النّار ، والخلود فيها .
ثمّ بالغ سبحانه في تفضيح حالهم ، والحثّ في الاعتبار بهم بقوله :
أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ
ونعمه ، وجحدوا وحدانيّته . ثمّ دعا عليهم بالهلاك تسجيلا لاستحقاقهم له بقوله :
أَلا بُعْداً
وهلاكا قطعيّا
لِعادٍ .
ثمّ بيّن المراد من عاد بقوله :
قَوْمِ هُودٍ
لئلا يشتبه بعاد الثانية ؛ وهم عاد بن إرم .
هامش
( 1 ) . القمر : 54 / 18 و 19 .
( 2 ) . الحاقة : 69 / 6 و 7 .
( 3 ) . تفسير القمي 1 : 329 ، تفسير الصافي 2 : 457 .
( 4 ) . السّموم : هي الريح الحارّة ، والحرّ الشديد النافذ في المسام .
( 5 ) . تفسير أبي السعود 4 : 219 .
( 6 ) . تفسير البيضاوي 1 : 461 .