ثمّ أنّه تعالى بعد إبطال مذهب الشّرك ، وتوعيد المشركين على تكذيب الرّسول صلّى اللّه عليه وآله واستهزائهم به وبالقرآن ، وبّخهم على بدعهم ومفترياتهم على اللّه بقوله :
قُلْ
يا محمّد للمشركين :
أَ رَأَيْتُمْ
وأخبروني
ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ
من السّماء
مِنْ رِزْقٍ
حلال بسبب الأمطار ، وتأثير الشّمس وسائر الكواكب ، في نضجه وتربيته وتلوينه . وقيل : إنّ المراد من الإنزال من السّماء : التّقدير فيه « 1 » ، وقيل :
الخلق والإنشاء « 2 »
فَجَعَلْتُمْ
بعضا
مِنْهُ حَراماً
على أنفسكم كالسّائبة وأخواتها
وَ
بعضا
حَلالًا .
ثمّ أكّد سبحانه الأمر بالاستخبار بالتّكرار بقوله :
قُلْ
توبيخا لهم :
آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ
في هذا الجعل والتّبعيض ، فتمتثلون أمره تعالى
أَمْ عَلَى اللَّهِ
بأهوائكم
تَفْتَرُونَ
وفي نسبة ذلك إليه تكذبون ؟ فإن تقولوا إنّ الجعل على سبيل الافتراء ، فقد التزمتم بما اتّفق العقلاء على بطلانه وقبحه ، وتستحقّون العقوبة عليه ، وإن تقولوا إنّه بإذن اللّه ، فمن المعلوم أنّه ما شافهكم اللّه به ، فلا بدّ أن تلتزموا بمجيء رسول منه إليكم ، مع أنّكم تنكرون الرّسالة ، وتبالغون في تكذيب مدّعيها ، فثبت أنّكم مفترون .
[ سورة يونس ( 10 ) : آية 60 ]
وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ ( 60 )
ثمّ أظهر سبحانه التعجّب من جرأتهم على اللّه في هذا الافتراء بقوله :
وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ
الحكم
الْكَذِبَ ؟
وأيّ توهّم لهم أن يصنع بهم ويتعامل معهم
يَوْمَ الْقِيامَةِ
الذي هو يوم عرض الأعمال والأقوال ، والمجازاة عليها مثقالا بمثقال ؟ أيتوهّمون أنّهم لا يسألون عن افترائهم ، ولا يجازون عليه ، أو يجازون ولكن لا يجازون جزاء شديدا ، ولذا لا يبالون بما يرتكبون ؟ كلّا بل يعذّبون عذابا شديدا ، بل أشدّ العذاب ؛ لأنّ عصيانهم أشدّ المعاصي وفي ذكر الكذب مع الافتراء ؛ الذي هو عين الكذب ، مبالغة في قبحه .
ثمّ أكّد سبحانه استحقاقهم العذاب بقوله :
إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ
جميعا بإعطائهم القوى والعقل المميّز بين الحسن والقبيح ، والحقّ والباطل ، وبإرسال الرّسل ، وإنزال الكتب ، وتعليم الشّرائع ، وبالإرشاد إلى طرق تحصيل المعاش والمعاد
وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ
اللّه على تلك النّعم بالقيام بوظائف العبوديّة ، وصرف القوى الظاهريّة والباطنيّة فيما خلقت له ، ولذا يستحقّون العذاب ،
هامش
( 1 ) . تفسير أبي المسعود 4 : 156 ، تفسير روح البيان 4 : 55 .
( 2 ) . تفسير الرازي 17 : 120 .