قيل : شبّه اللّه نبيّه صلّى اللّه عليه وآله بالطّبيب الحاذق وكتابه بكتاب فيه دستور معالجة المريض « 1 » .
ولمّا كان أوّل التّدبير في معالجته نهيه عن تناول ما يضرّه ، وصف القرآن أولا بكونه موعظة ، وزاجرا عن المعاصي وارتكاب المبعدات والملهيات عن اللّه . ثمّ استعمال الأدوية المنقّية لمزاجه من الأخلاط الفاسدة الموجبة للمرض ، وصف القرآن ثانيا بكونه شفاء ، والمراد منه المجاهدة في إزالة الأخلاق الرّذيلة ، فإذا زالت حصل الشّفاء للقلب والصّفاء للرّوح . ثمّ استعمال الأدوية المقوّية للمزاج ، وصف القرآن ثالثا بكونه هدى ، والمراد منه تجلية الأنوار القدسيّة في القلب . ثمّ استعمال ما يوجب تزايد القوّة من مرتبة الصحّة إلى مرتبة الكمال القابل ، وصف القرآن رابعا بكونه رحمة ، والمراد منها إيصال جوهر الرّوح إلى أعلى درجات القرب ، وهذا خاصّ بالمؤمنين الكاملين في الإيمان والعمل .
[ سورة يونس ( 10 ) : آية 58 ]
قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ( 58 )
ثمّ أنّه تعالى بعد الإشارة إلى مراتب تفضّله ورحمته بعباده المؤمنين ، أمر نبيّه بأن يأمر المؤمنين بتخصيص فرحهم وسرورهم لهما بقوله :
قُلْ
يا محمّد للمؤمنين :
بِفَضْلِ اللَّهِ
وهو رسوله
وَبِرَحْمَتِهِ
وهي القرآن فليفرحوا ، وإن فرحوا بشيء في العالم
فَبِذلِكَ
المذكور من الفضل والرّحمة بالخصوص
فَلْيَفْرَحُوا
لا بشيء آخر ؛ لأنّ ما ذكر من الفضل والرّحمة
هُوَ خَيْرٌ
وأفضل وأنفع
مِمَّا يَجْمَعُونَ
من زخارف الدّنيا الفانية ، وحطامها الكاسد .
عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله : « فضل اللّه : نبوّة نبيّكم ، ورحمته : ولاية عليّ بن أبي طالب ،
فَبِذلِكَ
قال : بالنبوّة والولاية
فَلْيَفْرَحُوا
يعني : الشّيعة
هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ
يعني : مخالفيهم ، من الأهل والمال والولد ، في دار الدّنيا » « 2 » .
وعن الباقر عليه السّلام : « فضل اللّه : رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، ورحمته : علي بن أبي طالب » « 3 » .
وزاد القمّي رحمه اللّه : فبذلك فليفرح شيعتنا ، هو خير ممّا أعطي أعداؤنا من الذّهب والفضّة » « 4 » .
[ سورة يونس ( 10 ) : آية 59 ]
قُلْ أَ رَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ ( 59 )
هامش
( 1 ) . تفسير الرازي 17 : 115 .
( 2 ) . أمالي الصدوق : 583 / 803 ، تفسير الصافي 2 : 407 .
( 3 ) . مجمع البيان 5 : 178 ، جوامع الجامع : 195 ، تفسير الصافي 2 : 407 .
( 4 ) . تفسير القمي 1 : 313 ، تفسير الصافي 2 : 407 .