ثمّ ذكر سبحانه علّة عبادتهم الأصنام بقوله :
وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ
في اعتقاد الوهيّة الأصنام ، وكونها شفعاء لهم
إِلَّا ظَنًّا
ضعيفا حاصلا لهم من تقليد آبائهم . وفيه إشعار بأنّ بعضهم كانوا عالمين بالتّوحيد ، وكانوا يكابرون في إنكاره عنادا .
ثمّ أبطل سبحانه اتّباعهم الظنّ بقوله :
إِنَّ الظَّنَّ
وإن كان في غاية القوّة
لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ
والواقع
شَيْئاً
من الإغناء ، ولا يكفي في التديّن بأمر ، ولا يقوم مقام العلم واليقين أبدا .
ثمّ هدّدهم سبحانه على اتّباع الظنّ بقوله :
إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ
من اتّباع الظّن ، والإعراض عن البرهان .
ثمّ أنّه تعالى بعد إثبات التّوحيد ، شرع في إثبات النبوّة بدفع دعوى المشركين أنّ القرآن هو كلام البشر بقوله :
وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ
مع ما هو عليها من وجوه الإعجاز
أَنْ يُفْتَرى
قيل : إنّ المعنى :
ليفترى « 1 » ، أو افتراء واختلافا
مِنْ دُونِ اللَّهِ
وصادرا من غيره تعالى ، لعدم قدرة غيره على ترتيب مثله
وَلكِنْ
يكون
تَصْدِيقَ
الكتاب
الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ
ومطابقا لما نزل من اللّه قبله في المعارف والمواعظ ، وبيان أحوال الأنبياء وقصص الأمم الماضين ، مع كون من أتى [ به ] اميّا لم يقرأ الخطّ ، ولم يطالع الكتب ، ولم يجالس العلماء ، ولم يتلمذ عند أحد ، فلو لم تكن مطالبه مطابقة لما في الكتب ، لبالغ المعاندون في الطّعن والقدح فيه ، ولمّا لم يطعن أحد فيه مع شدّة حرص الكفّار عليه وعنادهم له ، علم مطابقته .
ثمّ ثنّى سبحانه الدّليل على صدق كون القرآن كلام اللّه بقوله :
وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ
وتبيين ما شرّع من الأحكام الموافقة للعقل وصلاح الكلّ إلى يوم القيامة ، ولذا
لا رَيْبَ فِيهِ
أنّه نازل
مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ .
[ سورة يونس ( 10 ) : آية 38 ]
أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 38 )
ثمّ أنّه تعالى بعد الاستدلال على صدق القرآن بالدّليلين المتقنين ، أنكر على المشركين نسبة الافتراء إليه بقوله :
أَمْ يَقُولُونَ
إنّ محمّدا اختلق القرآن و
افْتَراهُ
على اللّه . ثمّ أمر نبيّه صلّى اللّه عليه وآله
هامش
( 1 ) . تفسير الرازي 17 : 94 .