تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 250

مساهمون:

ص٢٥٠
ثمّ أنّه تعالى بعد بيان فضائح المشركين ، أمر نبيّه صلّى اللّه عليه وآله بإقامة الحجّة على فساد مذهبهم بقوله :
قُلْ
يا محمّد ، للمشركين احتجاجا على صحّة التّوحيد ، وبطلان الشّرك
مَنْ
الذي
يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ
بإنزال الأمطار النّافعة
وَ
من
الْأَرْضِ
بإنبات النّباتات التي هي غذاؤكم وغذاء الحيوانات التي تأكلونها ؟
أَمَّنْ
الذي
يَمْلِكُ
ويخلق لكم
السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ
اللذين هما أعظم أعضائكم ، وأنفعها لكم ؟ وقيل يعني : من يحفظهما من الآفات مع كثرتها « 1 » ؟
وَمَنْ
الذي
يُخْرِجُ
ويخلق بقدرته الحيوان
الْحَيَّ
مَنْ
المبدأ
الْمَيِّتِ
كالنّطفة
وَيُخْرِجُ
ويخلق الشيء
الْمَيِّتِ
كالمنيّ
مَنْ
الحيوان
الْحَيَّ ؟
وقيل : إنّ المراد من الحيّ : المؤمن ، ومن الميت : الكافر « 2 »
وَمَنْ
الذي
يُدَبِّرُ
وينظّم
الْأَمْرَ
في عوالم الوجود علويّا وسفليّا ، وجسمانيّا وروحانيّا
فَسَيَقُولُونَ :
إنّه
اللَّهُ
وحده ، لاعتقادهم بأنّه صانع العالم ومدبّره ، وإنّما كانوا يعبدون الأصنام لقولهم بأنّهم شفعاء . فإذا اعترفوا بذلك
فَقُلْ
لهم :
أَ فَلا تَتَّقُونَ
اللّه في أن تجعلوا له شركاء في العبادة مع اعترافكم بأنّ جميع الأمور بيده ، وأنّ الأصنام مقهورون تحت قدرته وتدبيره
فَذلِكُمُ اللَّهُ
القادر القاهر المدبّر بالخصوص
رَبُّكُمُ الْحَقُّ
الثابتة ربوبيّته ، لا ما أشركتم به . فإذا ثبت أن التّوحيد هو الدّين الحقّ
فَما ذا بَعْدَ
دين
الْحَقُّ
وغير ملّة التّوحيد
إِلَّا الضَّلالُ
لعدم الواسطة بين الحقّ والباطل ، فمن تخطّى أحدهما وقع في الآخر ، فإذا عرفتم هذا الأمر الواضح
فَأَنَّى تُصْرَفُونَ
عن الحقّ ؟ وكيف تعدلون عنه إلى الباطل والضّلال ؟
كَذلِكَ
الحقّ الذي ثبت عند كلّ أحد له عقل
حَقَّتْ
وثبتت
كَلِمَةُ رَبِّكَ
وحكمه وقضاؤه
عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا
وتمرّدوا عن طاعة اللّه ورسله ، وخرجوا عن قابليّة الهداية ، وذلك الحكم والقضاء الثابت
أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
أبدا ، لعلمه تعالى بخبث طينتهم ، والطّبع على قلوبهم . وقيل : إنّ المراد : ثبت عذاب ربّك عليهم لأنّهم لا يؤمنون « 3 » ، بل يموتون كفّارا .
هامش
( 1 ) . تفسير أبي السعود 4 : 141 ، تفسير روح البيان 4 : 43 . ( 2 ) . مجمع البيان 5 : 162 ، تفسير الرازي 17 : 86 . ( 3 ) . تفسير الرازي 17 : 88 .