تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 254

مساهمون:

ص٢٥٤
ثمّ أمر سبحانه نبيّه صلّى اللّه عليه وآله بالمداراة مع المشركين ، أو زجرهم وردعهم ، أو إظهارا لليأس منهم بقوله :
وَإِنْ كَذَّبُوكَ
يا محمّد ، في ادّعاء الرّسالة والتّوحيد بعد إلزامهم بالحجّة
فَقُلْ
في جوابهم :
لِي عَمَلِي
من الايمان باللّه وطاعته ، أو جزاء عملي
وَلَكُمْ
أيّها المشركون
عَمَلُكُمْ
من الشّرك والطّغيان ، أو جزاء عملكم
أَنْتُمْ بَرِيئُونَ
وغير مسؤولين
مِمَّا أَعْمَلُ
فلا تؤاخذون به
وَأَنَا
أيضا
بَرِيءٌ
وغير مسؤول
مِمَّا تَعْمَلُونَ
فلا أؤاخذ بعملكم .

[ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 42 إلى 43 ]

وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ ( 42 ) وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَ فَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ ( 43 ) ثمّ بالغ سبحانه في بيان شدّة عداوة المكذّبين بالقرآن بحيث لا يرجى إيمانهم ؛ بقوله :
وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ
حين تقرأ القرآن وتعلّمه أصحابك ؛ وهم كالصّمّ لا يفهمون كلامك ، ولا يلتفتون إلى محاسنه لشدّة بغضهم لك ونفرتهم من القرآن ، فلا تقرأ عليهم القرآن ، ولا تجهد نفسك في دعوتهم
أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ
بقدرتك البشريّة ، وتفهم كلامك
الصُّمَّ
الذين سدّ أسماع قلوبهم الشّهوات ، وحبّ الدّنيا ، وشدّة العداوة من إدراك الكلام ومحاسنه
وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ
فإنّ تفهيم الكلام للأصمّ العاقل لو كان ممكنا لفراسته ، لا يمكن تفهيمه للأصمّ المجنون
وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ
ببصره الظّاهر
إِلَيْكَ
وإلى معجزاتك الواضحة ، ولكنّهم لعمى قلوبهم لا يرون نورك وجهات إعجاز معجزاتك
أَ فَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ
وفاقدي البصر إلى طريق الحقّ
وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ
بعين قلوبهم الطّريق . وقيل : إنّ المقصود من الآيتين تسلية النبيّ صلّى اللّه عليه وآله بتشبيه المكذّبين المصرّين على الكفر بالأصمّ الذي لا عقل له ، والأعمى الذي لا بصيرة له ، فكما يمنع الصّمم في الأذن ، والعمى في العين عن إدراك محاسن الكلام ومشاهدة محاسن الصّورة - خصوصا إذا انضمّ إلى الصّم عدم العقل ، وإلى العمى عدم البصيرة - كذلك تمنع شدّة بغض المكذّبين للحقّ ، وعداوتهم للرّسول ، ونفرتهم عن القرآن ، وعن قبولهم الهداية ، وكما أنّ الطّبيب إذا رأى مريضا لا يمكن علاجه ، أعرض عنه بلا استيحاش من عدم قبوله العلاج ، كذلك يجب على الرّسول الإعراض عن هؤلاء المكذّبين بلا استيحاش من عدم قبولهم الحقّ « 1 » .
هامش
( 1 ) . الرازي 17 : 101 .