يا أهلاه ، ما خلّفني عن رسول اللّه إلّا أمرك ولاكابدنّ المفاوز حتّى أصل إليه وفعل . والثّالث ما كان له أهل ولا مال ، فقال : ما لي سبب إلّا الضنّ بالحياة ، واللّه لاكابدنّ المفاوز حتّى أصل إلى رسول اللّه ، فلحقوا بالرّسول ، فأنزل اللّه
وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ
« 1 » .
وآخر قبول توبتهم
حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ
ومع سعتها ؛ لأنّهم بسبب إعراض النبيّ صلّى اللّه عليه وآله والمؤمنين عنهم ، صاروا بحيث كأنّهم لم يجدوا فيها موضع قرار . وضيق الأرض كناية عن شدّة الحيرة والوحشة .
وقيل : إنّهم لم يلحقوا بالنبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، فنهى صلّى اللّه عليه وآله عن مجالستهم ومكالمتهم ، وأمر بمباينتهم حتّى أمر نساءهم بذلك ، فضاقت عليهم الأرض « 2 »
وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ
وامتلأت قلوبهم بالوحشة والغمّ بحيث لم يبق لهم فيها ما يسع شيئا من الرّاحة والسّرور ، ولخوفهم من اللّه ومن أن يموتوا ولا يصلّي عليهم النبيّ والمؤمنون - وقيل : جاءت امرأة هلال إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وقالت : يا رسول اللّه ، لقد بكى هلال حتّى خفت على بصره « 3 » .
قيل : كانوا على تلك الحالة خمسون يوما « 4 »
وَظَنُّوا
واطمأنّوا
أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ
ومن سخطه
إِلَّا إِلَيْهِ
ولا مخلّص من نقمته إلّا الاستغفار والتضرّع لديه .
ثمّ أكّد سبحانه قبول توبتهم بقوله :
ثُمَّ تابَ
اللّه
عَلَيْهِمُ
بفضله
لِيَتُوبُوا
ويرجعوا إلى حالتهم السّابقة
إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ
على المذنبين
الرَّحِيمُ
بالتّائبين ولو عادوا في اليوم مائة مرّة .
عن القمّي قال : تخلّف عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله قوم من المنافقين ، وقوم من المؤمنين المستبصرين لم يعثر عليهم في نفاق ؛ منهم كعب بن مالك الشاعر ، ومرارة بن الربيع ، وهلال بن اميّة الواقفي ، فلمّا تاب اللّه عليهم .
قال كعب : ما كنت قطّ أقوى منّي في الوقت الذي خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله إلى تبوك ، وما اجتمعت لي راحلتان إلّا ذلك اليوم « 5 » ، فكنت أقول : أخرج غدا ، أخرج بعد غد ، فإنّي قويّ وتوانيت وبقيت بعد خروج النبيّ صلّى اللّه عليه وآله أياما أدخل السوق ولا أقضي حاجة ، فلقيت هلال بن أميّة ومرارة بن الرّبيع ، وقد كانا تخلّفا أيضا ، فتوافقنا أن نبكّر إلى السّوق ولم نقض [ حاجة ] ، فمازلنا نقول : نخرج غدا وبعد غد ، حتّى بلغنا إقبال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فندمنا .
فلمّا وافى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله واستقبلناه نهنّئه بالسّلامة ، فسلّمنا عليه فلم يردّ علينا السّلام فأعرض
هامش
( 1 ) . تفسير الرازي 16 : 217 ، تفسير روح البيان 3 : 528 .
( 2 و 3 و 4 ) . تفسير الرازي 16 : 218 .
( 5 ) . في النسخة : إلى ذلك اليوم .