تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 222

مساهمون:

ص٢٢٢
ثمّ أنّه تعالى بعد قبول توبة المتخلّفين ، أمر المؤمنين بطاعة الرّسول وملازمته في الجهاد وغيره بقوله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ
في مخالفته ومخالفة رسوله
وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ
وهم الرّسول صلّى اللّه عليه وآله ، ومن هو بمنزلته في العصمة عن الخطأ وبيان خلاف الواقع .

نقل كلام فخر الرازي في حجيّة الإجماع

قال الفخر الرّازي في تفسيره : إنّه تعالى أمر المؤمنين بالكون مع الصّادقين ، ومتى وجب الكون مع الصّادقين فلا بدّ من وجود الصّادقين في كلّ وقت ، وذلك يمنع من إطباق الكلّ على الباطل ، ومتى امتنع إطباق الكلّ على الباطل ، وجب إذا أطبقوا على شيء أن يكونوا محقّين . فهذا يدلّ على أن إجماع الامّة حجّة « 1 » . ثمّ اعترض على نفسه بأنّه لم لا يجوز أن يكون الصادق هو المعصوم الذي يمتنع خلوّ زمان التّكليف منه ؛ كما تقوله الشيعة « 2 » . ثمّ ردّ ذلك الاعتراض بقوله : نحن نعترف بأنّه لا بدّ من معصوم في كلّ زمان ، إلّا أنّا نقول : ذلك المعصوم هو مجموع الامّة ، وأنتم تقولون : ذلك المعصوم هو واحد منهم . فنقول : هذا الثاني باطل ؛ لأنّه تعالى أوجب على كلّ أحد من المؤمنين أن يكون مع الصادقين ، وإنّما يمكنه ذلك لو كان عالما بأن ذلك الصادق من هو ، لا جاهلا بأنّه من هو ، فلو كان مأمورا بالكون معه كان ذلك تكليفا بما لا يطاق ، وأنّه لا يجوز ، لكنّا لا نعلم إنسانا معيّنا موصوفا بوصف العصمة والعلم ، [ والعلم ] بأنّا لا نعلم هذا الإنسان حاصل بالضّرورة . فثبت أنّ قوله :
كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ
ليس أمرا بالكون مع شخص معيّن ، ولمّا بطل هذا ، بقي أنّ المراد منه الكون مع مجموع الامّة ، وذلك يدلّ على أن قول مجموع الامّة حقّ وصواب ، ولا معنى لقولنا « الإجماع حجّة » إلّا ذلك « 3 » ، انتهى كلامه بطوله المملّ .

في إبطال استدلال الفخر على حجيّة الإجماع

وفيه : أنّ لفظ
الصَّادِقِينَ
كالنصّ في أنّ المراد الأشخاص ، لا المجموع المركّب من الأشخاص ، مع كون كلّ واحد منهم كاذبا ، أو من يجوز عليه الكذب . وعدم علم هذا الشّخص المتعصّب بالشّخص الموصوف بالعصمة لا يكون قرينة على إرادة المجموع من الامّة ، مع قيام الأدلّة القطعيّة والرّوايات المتواترة على تعيينه باسمه ونسبه ، في كلّ زمان وعصر عند من برئ عن التعصّب واللّجاج ، وطابت طينته ، وطهر مولده ، مع أنّ الوجدان القطعي يشهد بعدم تمكّن أحد من المؤمنين حتّى المجتهدين المتبحّرين منهم ، من العلم باتّفاق مجموع الامّة ، بحيث لم يشذّ منهم واحد على أمر ، حتّى في الزّمان المتّصل بوفاة الرّسول صلّى اللّه عليه وآله الذي كان المسلمون بالنّسبة إلى الأعصار المتأخّرة في غاية القلّة ، ولو ادّعى أحد بالعلم بذلك حسّا ، نعلم
هامش
( 1 و 2 ) . تفسير الرازي 16 : 220 . ( 3 ) . تفسير الرازي 16 : 221 .