تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 218

مساهمون:

ص٢١٨
امرأتين حسناوين ، لا واللّه ما هذا بإنصاف . ثمّ أخذ ناقته فشدّ عليها رحله فلحق برسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، فنظر النّاس إلى راكب على الطريق ، فأخبروا رسول اللّه ، فقال صلّى اللّه عليه وآله : « كن أبا خيثمة » ، فكان أبا خيثمة ، فأقبل وأخبر النبي صلّى اللّه عليه وآله بما كان [ منه ] ، فجزاه خيرا ودعا له . وكان أبو ذرّ تخلّف عن رسول اللّه ثلاثة أيّام ، وذلك أن جمله كان أعجف « 1 » ، ووقف عليه في بعض الطّريق ، فتركه وحمل ثيابه على ظهره ، فلحق برسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله بعد ثلاثة أيّام ، فلمّا ارتفع النّهار ونظر المسلمون إلى شخص مقبل ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : « كن أبا ذر » ، فقالوا : هو أبو ذر ، فقال رسول اللّه : « أدركوه بالماء فإنّه عطشان » ، فأدركوه بالماء ، فوافى [ أبو ذرّ ] رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ومعه إداوة « 2 » فيها ماء ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : « يا أبا ذرّ ، معك ماء وعطشت ؟ » ، قال : نعم يا رسول اللّه ، بأبي أنت وأمّي ، انتهيت إلى صخرة وعليها ماء السّماء فذقته ، فإذا هو عذب بارد ، فقلت : لا أشربه حتّى يشربه حبيبي رسول اللّه . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : « يا أبا ذرّ ، رحمك اللّه ، تعيش وحدك ، وتموت وحدك ، وتبعث وحدك ، وتدخل الجنّة وحدك ، يسعد بك قوم من العراق يتولّون غسلك وتجهيزك [ والصلاة عليك ] ودفنك » « 3 » . أقول : هؤلاء وإن تخلّفوا عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله إلّا أنّ الظاهر أنّهم لم يكونوا من أهل الذّنب الذي أخبر اللّه عنه بقوله :
مِنْ بَعْدِ ما كادَ
وقرب
يَزِيغُ
ويميل
قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ
عن الثّبات مع الرّسول صلّى اللّه عليه وآله ، بأن همّوا بالانصراف من الغزو بغير استئذان ، لشدائد أصابتهم في ذلك السّفر ، فعصمهم اللّه فصبروا وندموا على ما خطر ببالهم . قيل : إنّه تعالى بشّر بقبول توبتهم قبل ذكر ذنبهم تطييبا لقلوبهم « 4 » . وقيل : لم يهمّوا بالرّجوع ، وإنّما خطر في قلوبهم ، فخافوا أن يكون معصية « 5 » . ثمّ أكّد اللّه البشارة بقوله :
ثُمَّ تابَ
اللّه
عَلَيْهِمْ
لئلّا يبقى في قلوبهم شكّ في قبول توبتهم . ثمّ بالغ سبحانه في التأكيد بقوله :
إِنَّهُ
تعالى
بِهِمْ رَؤُفٌ
لا يرضى بضررهم ، ولا اضطراب قلوبهم
رَحِيمٌ
بهم بإيصال جميع الخيرات إليهم . روي أنّ الأصحاب شكوا إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وآله عسرة الماء [ في غزوة تبوك ] فقال أبو بكر : يا رسول اللّه ، إنّ اللّه تعالى عوّدك في الدّعاء خيرا ، فادع لنا ، قال : « أتحبّ ذلك ؟ » قال : نعم ، فرفع يديه ، فلم يرجعهما حتّى أرسل اللّه سحابة ، فمطرت حتّى ارتوى النّاس ، واحتملوا ما يحتاجون إليه ، وتلك السّحابة لم
هامش
( 1 ) . الأعجف : الهزيل . ( 2 ) . الإدواة : الإناء الصغير لحمل الماء . ( 3 ) . تفسير القمي 1 : 294 ، تفسير الصافي 2 : 384 . ( 4 و 5 ) . تفسير الرازي 16 : 216 .