تتجاوز العسكر « 1 » .
وروي أنّهم نزلوا يوما في غزوة تبوك بفلاة من الأرض على غير ماء ، وكادت عتاق الخيل والرّكاب تقع عطشا فدعا صلّى اللّه عليه وآله وقال : « أين صاحب الميضأة » « 2 » ؟ قيل : هو ذا يا رسول اللّه ، قال : « جئني بميضأتك ، فجاء بها وفيها شيء من الماء ، فوضع أصابعه الشّريفة عليها فنبع الماء من أصابعه العشرة ، فأقبل الناس واستقوا ، وفاض الماء حتّى رووا ورووا خيلهم وركابهم ، وكان في العسكر من الخيل اثني عشر ألفا ، ومن الإبل خمسة عشر ألف بعير ، والنّاس ثلاثون ألف وقيل : سبعون « 3 » .
وروي أنّهم لمّا أصابهم في غزوة تبوك مجاعة ، قالوا : يا رسول اللّه ، لو أذنت لنا نحرنا نواضحنا « 4 » وركابنا وادّهنّا ، فقال عمر : يا رسول اللّه ، إن فعلت فنى الظهر ، ولكن ادعهم بفضل أزوادهم ، وادعوا اللّه لهم فيها بالبركة ، لعلّ اللّه أن يجعلها في ذلك ، فقال صلّى اللّه عليه وآله : « نعم » فدعا بنطع « 5 » فبسطه ، ثمّ دعا بفضل أزوادهم ، فجعل الرجل يأتي بكفّ من ذرة ، ويجيء الآخر بكفّ من تمر ، ويجيء الآخر بميرة ، حتّى اجتمع على النّطع من ذلك شيء يسير ، فدعا عليه السّلام بالبركة .
ثمّ قال : « خذوا في أوعيتكم » ، فأخذوا حتّى ما تركوا في العسكر وعاء إلّا ملأوه ، وأكلوا حتّى شبعوا ، وفضلت فضلة فقال صلّى اللّه عليه وآله : « أشهد أن لا إله إلّا اللّه ، وأنّي رسول اللّه ، لا يلقى اللّه بها عبد غير شاكّ إلّا وقاه النار » « 6 » .
[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 118 ]
وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( 118 )
ثمّ عطف سبحانه على قبول توبة عموم المهاجرين والأنصار قبول توبة الثّلاثة الذين كانوا مرجون لأمر اللّه بقوله :
وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا
عن رسول اللّه وأقاموا بالمدينة ؛ وهم كعب بن مالك الشاعر ، ومرارة « 7 » بن الرّبيع العنبري ، وهلال بن اميّة .
قيل : كان لأحدهم أرض ثمنها مائة ألف درهم ، فقال : يا أرضاه ، ما خلّفني عن رسول اللّه إلّا أمرك ، اذهبي فأنت في سبيل اللّه ، فلاكابدنّ المفاوز حتّى أصل إلى رسول اللّه ففعل . وكان للثّاني أهل ، فقال :
هامش
( 1 ) . تفسير روح البيان 3 : 529 .
( 2 ) . الميضأة : إناء يتوضأ به .
( 3 ) . تفسير روح البيان 3 : 526 .
( 4 ) . النّواضح : جمع ناضح ، وهو البعير يستقى عليه .
( 5 ) . النّطع : البساط من جلد .
( 6 ) . تفسير روح البيان 3 : 526 .
( 7 ) . في النسخة : زرارة ، وما أثبتناه موافق للمصدرين الآتيين ، وراجع : أسد الغابة 4 : 343 .