تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 215

مساهمون:

ص٢١٥
تبرّأ منه « 1 » . أقول : لا منافاة بين التّفسيرين لجواز وقوع كلا الوعدين . ثمّ بيّن سبحانه علّة استغفار إبراهيم عليه السّلام لأبيه بقوله :
إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ
وكثير التفجّع على خلق اللّه ، وشديد الرّأفة والشّفقة على النّاس
حَلِيمٌ
وصبور على أذاهم ، ولذا كان يحلم على أذى أبيه ويترحّم له ، فيستغفر له . وعن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله أنّه قال : « الأوّاه الخاشع المتضرّع » « 2 » . وفي رواية أخرى قال : « الدعاء » « 3 » . وقيل : معناه أنّه كلّما ذكر لنفسه تقصيرا ، أو ذكر عنده شيء من شدائد الآخرة كان يتأوّه إشفاقا منه ، واستعظاما له « 4 » . وعليه يكون قوله :
إِنَّ إِبْراهِيمَ
علّة للتبرّي من أبيه ، والمعنى : أنّه مع كونه بهذه الصّفات ، غلظ قلبه عليه ، وتبرّأ منه بعد ما ظهر إصراره على الشّرك ، فأنتم أولى بذلك . ثمّ قيل : إنّ المؤمنين لمّا خافوا على أنفسهم من استغفارهم لآبائهم وأقربائهم ممّن مات على الكفر قبل نزول الآية ، وعلى المسلمين الذين ماتوا وكانوا في حياتهم يستغفرون للمشركين « 5 » ، أزال اللّه خوفهم بقوله :
وَما كانَ اللَّهُ
وليس من شأنه ومقتضى حكمته وعدله
لِيُضِلَّ
ويصرف عن طريق الجنّة
قَوْماً
من الأقوام ، ويأخذ بالعذاب طائفة من النّاس
بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ
للإسلام ووفقهم لقبوله
حَتَّى يُبَيِّنَ
ويوضّح
لَهُمْ
بتوسّط الرّسول الباطن ، أو الرّسول الظّاهر
ما يَتَّقُونَ
ويحترزون عنه من المحرّمات - وعن الصادق عليه السّلام قال : « ما يرضيه ويسخطه » « 6 » - فلا عقوبة من اللّه إلّا بعد إعلامهم بتكليفه ، وإزالة العذر عنهم ، فإنّ العقوبة بلا بيان - مع كون الجهل عن قصور الجاهل عذرا عقليّا - من الجهل ، ومن البيّن
إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ .

في الاستدلال على البراءة في مشكوك الوجوب والحرمة

فالآية دالّة على أنّ الأصل في مشكوك الوجوب والحرمة البراءة . والجواب عنه بأنّه - بعد دلالة الأدلّة المعتبرة على وجوب الاحتياط عند الشكّ في الحرمة ، لا يكون العقاب عليه عقابا بلا بيان - فاسد ، بأنّه مبنيّ على كون وجوب الاحتياط نفسيا ، وأمّا مع كونه مقدّميّا علميّا ناشئا عن تنجّز الواقع المجهول ، فالعقاب يكون على الواقع المجهول الذي تنفي الآية صحّته ، ويحكم العقل أيضا بقبحه . وما قيل من أنّ الإضلال غير العقوبة فلا ربط للآية بالبراءة المتنازع فيها . ففيه : أنّ الملاك واحد إن
هامش
( 1 ) . تفسير القمي 1 : 306 ، تفسير الصافي 2 : 382 . ( 2 و 3 ) . تفسير الرازي 16 : 211 . ( 4 ) . تفسير روح البيان 3 : 522 . ( 5 ) . تفسير الرازي 16 : 212 . ( 6 ) . تفسير العياشي 2 : 267 / 1919 ، الكافي 1 : 124 / 3 ، تفسير الصافي 2 : 383 .