ثمّ أنّه تعالى بعد الأمر بالتبرّي عن المشركين ، والتّأكيد من أوّل السّورة إلى هنا في إظهار عداوتهم والقتال معهم ، وبيان عدم فائدة الاستغفار لهم ، نهى النبيّ صلّى اللّه عليه وآله والمؤمنين عن الاستغفار لهم ، وإن كانوا أقرب النّاس إليهم ؛ بقوله :
ما كانَ
يصحّ
لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا
ولا يستقيم لهم في حكمة اللّه وحكمه
أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ
المتجاهرين منهم بالشّرك ، أو المنافقين
وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى
ومنتسبين إليهم بالولادة أو المصاهرة
مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ
وظهر
لَهُمْ
بسبب إصرارهم على الشّرك وموتهم عليه
أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ
وأهل النّار .
روى الفخر الرازي عن أمير المؤمنين عليه السّلام : أنّه سمع رجلا يستغفر لأبويه المشركين ، قال : « فقلت له : أتستغفر لأبويك وهما مشركان ؟ فقال : أليس استغفر إبراهيم لأبويه وهما مشركان ؟ فذكرت ذلك لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، فنزلت هذه الآية » « 1 »
وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ
ناشئا عن سبب من الأسباب
إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ .
قيل : إن إبراهيم كان يرجو إيمان آزر ، ولذا وعده أن يستغفر له بقوله :
سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي
« 2 » ، وقوله :
لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ
« 3 » .
فَلَمَّا تَبَيَّنَ
لإبراهيم وظهر
لَهُ
بأن رآه مصرّا على الشّرك
أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ
ولا يؤمن به أبدا
تَبَرَّأَ مِنْهُ
وتنزّه عن الاستغفار له .
عن الصادق عليه السّلام أنّه قال : « ما يقول النّاس في قول اللّه :
وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ ؟
فقيل : يقولون : إنّ إبراهيم وعد أباه أن يستغفر له ، قال : ليس هو هكذا ، إنّ أبا إبراهيم وعده أن يسلم فاستغفر له
فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ »
« 4 » .
وفي رواية : « لمّا مات تبيّن له أنّه عدوّ للّه فلم يستغفر له » « 5 » .
وعن القمّي رحمه اللّه : إنّ إبراهيم عليه السّلام قال لأبيه : إن لم تعبد الأصنام استغفرت لك ، فلمّا لم يدع الأصنام
هامش
( 1 ) . تفسير الرازي 16 : 209 .
( 2 ) . سورة مريم : 19 / 47 .
( 3 ) . تفسير روح البيان 3 : 522 ، والآية من سورة الممتحنة : 60 / 4 .
( 4 ) . تفسير العياشي 2 : 266 / 1915 ، تفسير الصافي 2 : 382 .
( 5 ) . تفسير العياشي 2 : 266 / 1917 ، تفسير الصافي 2 : 382 .