تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 177

مساهمون:

ص١٧٧
ثمّ كأنّه قيل : كيف كان حالهم ؟ فقال سبحانه :
كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً
وأعظم قدرة
وَأَكْثَرَ
منكم
أَمْوالًا وَأَوْلاداً
وأوفر منكم ثروة وذريّة
فَاسْتَمْتَعُوا
واستلذّوا
بِخَلاقِهِمْ
ونصيبهم المقدّر لهم من حطام الدّنيا ونعيمها . ثمّ بيّن سبحانه وجه شبههم بهم بقوله :
فَاسْتَمْتَعْتُمْ
وانتفعتم
بِخَلاقِكُمْ
ونصيبكم من الأمتعة الدّنيويّة مدّة عمركم ، حال كونكم كافرين طاغين عاصين للّه ، لأجل الغرور باللّذات
كَمَا اسْتَمْتَعَ
الأمم
الَّذِينَ
كانوا
مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ
حال كونهم كافرين طاغين عاصين للّه ، لأجل الانهماك في الشّهوات
وَخُضْتُمْ
وانغمرتم في الباطل كتكذيب الأنبياء ، والاستهزاء والغدر بهم
كَالَّذِي
ومثل الباطل الذي
خاضُوا
فيه - وقيل : إنّ التّقدير : كالفوج الذي « 1 » ، وقيل : كالقوم الّذين ، وحذف النّون للتّخفيف « 2 » ، وقيل : كالخوض الذي -
أُولئِكَ
الأمم المذمومة
حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ
وبطلت حسناتهم
فِي الدُّنْيا
بسبب الموت وانتقالهم من الغنى إلى الفقر ، ومن العزّ إلى الذلّ ، ومن القوّة إلى الضّعف
وَ
في
الْآخِرَةِ
بسبب ضياع ثوابهم وابتلائهم بالعقاب
وَأُولئِكَ
بالخصوص
هُمُ الْخاسِرُونَ
والمتضرّرون ، حيث ضيّعوا عمرهم الذي كان بمنزلة رأس مالهم ، وأتعبوا أنفسهم في تحصيل العزّ والجاه والنّعم ، بالسّعي في تكذيب الأنبياء ومعارضتهم والغدر بهم ، ولم يستفيدوا إلّا الحرمان من الخيرات الدّنيويّة والاخرويّة ، والذلّ الدائم ، والعقوبة الأبديّة ، فهم مع كونهم أقوى منكم كانت حالهم تلك ، فأنتم مع ضعفكم بسبب اشتراككم معهم في الكفر والطّغيان أولى بحبط الأعمال وغاية الخسران .

[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 70 ]

أَ لَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ وَأَصْحابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 70 ) ثمّ أنّه تعالى بعد تشبيه المنافقين بالأمم المهلكة في الرّغبة في الدّنيا والتمتّع بها ، والإعراض عن الآخرة والإصرار على الكفر ، وتكذيب الأنبياء ، وغاية الخسران ، ذكر طوائف مشهورة بتلك الصّفات « 3 » منهم ، وابتلائهم بعذاب الاستئصال بقوله :
أَ لَمْ يَأْتِهِمْ
وهل لم يبلغهم
نَبَأُ
الأمم
الَّذِينَ
كانوا
مِنْ قَبْلِهِمْ
وخبرهم الذي له شأن عظيم ؟ ثمّ كأنّه أجاب عن الاستفهام وقال : نعم ، بلغهم نبأ
قَوْمِ نُوحٍ
أنّهم أهلكوا بالطّوفان
وَ
قوم
هامش
( 1 و 2 ) . تفسير روح البيان 3 : 462 . ( 3 ) . في النسخة : مشهورة بالصفات .