ثمّ بعد أمره سبحانه بالاجتناب عن الرّبا والتّحرّز عن النّار ، أمر بالمسارعة إلى العبادات الموجبة للمغفرة والدّخول في الجنّة ، بقوله :
وَسارِعُوا
وبادروا
إِلى
تحصيل
مَغْفِرَةٍ
كائنة
مِنْ رَبِّكُمْ
اللّطيف بكم ، بالمبادرة إلى موجباتها من الإسلام والتّوبة والإخلاص ، وأداء الواجبات وترك المحرّمات . وعن أمير المؤمنين عليه السّلام : « إلى أداء الفرائض » « 1 » .
وَ
إلى
جَنَّةٍ
وسيعة
عَرْضُهَا
ووسعتها
السَّماواتُ
السّبع
وَالْأَرْضُ
قيل : ذكر العرض للمبالغة في وصفها بالسّعة على طريق التّمثيل ، فإنّ العرض في العادة يكون أدنى وأقصر من الطّول « 2 » .
أقول : هذا الوجه مبنيّ على إرادة العرض المقابل للطّول ، لا إرادة مطلق السّعة منه .
عن العيّاشي : عن الصادق عليه السّلام قال : « إذا وضعوهما « 3 » » ، وبسط يديه إحداهما مع الأخرى « 4 » .
وعن ابن عبّاس : كسبع سماوات ، وسبع أرضين لو وصل بعضها ببعض « 5 » .
روي أنّ رسول هرقل « 6 » سأل النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وقال : إنّك تدعو إلى جنّة عرضها السّماوات والأرض أعدت للمتّقين ، فأين النّار ؟ فقال النبيّ صلّى اللّه عليه وآله : « سبحان اللّه ! فأين اللّيل إذا جاء النّهار ؟ » « 7 » .
قال الفخر الرازي في تفسيره : والمعنى ، واللّه أعلم : أنّه إذا دار الفلك حصل النّهار في جانب [ من العالم ] ، واللّيل في ضد ذلك الجانب « 8 » .
وقال الطبرسي رحمه اللّه : هذه معارضة فيها إسقاط المسألة ؛ لأنّ القادر على أن يذهب اللّيل حيث يشاء ، قادر على أن يخلق النّار حيث يشاء « 9 » .
وقال الفيض رحمه اللّه : والسّرّ فيه أنّ إحدى الدّارين لكلّ إنسان ، إنّما تكون مكان الأخرى بدلا عنها ، كما في اللّيل والنّهار « 10 » .
ولعلّ المراد أنّه ليس بين العالمين في الآخرة تزاحم كتزاحم الأجسام الكثيفة ، فكلّ مشغول بعالمه ، ولا يكون له عالم آخر ، وفي الآية دلالة على وجود الجنّة فعلا .
ثمّ وصف سبحانه تلك الجنّة الوسيعة بأنّها
أُعِدَّتْ
وخلقت مهيّأة
لِلْمُتَّقِينَ
للتّنبيه بأنّه لا حظّ للعصاة فيها ، فمن رجاها بغير التّقوى فهو مغرور .
هامش
( 1 ) . مجمع البيان 2 : 836 ، تفسير الصافي 1 : 351 .
( 2 ) . تفسير روح البيان 2 : 94 .
( 3 ) . في المصدر : وضعوها كذا .
( 4 ) . تفسير العياشي 1 : 339 / 781 ، تفسير الصافي 1 : 351 .
( 5 ) . تفسير أبي السعود 2 : 85 .
( 6 ) . اسم ملك الروم .
( 7 و 8 ) . تفسير الرازي 9 : 6 .
( 9 ) . مجمع البيان 2 : 837 ، تفسير الصافي 1 : 351 .
( 10 ) . تفسير الصافي 1 : 351 .