ثمّ أنّه تعالى بعد بيان اهتمامهم بالطّاعة ، وصفهم بالمسارعة إلى التّوبة عند الزّلّة والتّقصير في الطاعة ، بقوله :
وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا
وارتكبوا فعلة
فاحِشَةً
ومعصية شديدة القباحة ، كالزّنا ، وقتل النّفس
أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ
بارتكاب الصّغائر من الذّنوب ، كالنّظر إلى الأجنبية وأمثاله ، أو بالتّقصير في الطّاعة .
وقيل : إنّ المراد بالفاحشة : الظّلم على الغير « 1 » ؛ كالغيبة والبهتان ، ومن الظّلم على النّفس : الذّنوب التي لا تضرّ بالغير ، كشرب الخمر وأضرابه .
ذَكَرُوا اللَّهَ
والتفتوا إلى عظمته وعظيم حقّه الموجبين للحياء منه ، أو إلى وعيده وسخطه المورثين للخشية .
وقيل : إنّ المراد : ذكر اللّه بالثّناء والتّعظيم ، فإنّ من موجبات كمال الدّعاء وقربه إلى الإجابة ، الثّناء على اللّه قبله .
فَاسْتَغْفَرُوا
وطلبوا السّتر
لِذُنُوبِهِمْ
بلا تأخير وتسويف ، وتابوا توبة خالصة ، ناشئة عن حقيقة النّدم الملازم للعزم على التّرك في المستقبل .
ثمّ حثّ سبحانه على الاستغفار والإنابة إليه بقوله :
وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ
ويتجاوز عنها
إِلَّا اللَّهُ
فإنّه يستحيل غفرانها من غيره ، فلا مفزع للمذنبين إلّا فضله وكرمه . وفيه بشارة لهم بوصف ذاته بسعة الرّحمة ، وقبول التّوبة ، وقرب المغفرة .
عن ابن عبّاس رضى اللّه عنه : أنّ هذه الآية نزلت في رجلين أنصاري وثقفي ، والرّسول صلّى اللّه عليه وآله [ كان قد ] آخى بينهما ، وكانا لا يفترقان في أحوالهما ، فخرج الثّقفي مع الرّسول صلّى اللّه عليه وآله بالقرعة في السّفر ، وخلّف الأنصاري على أهله ليتعاهدهم ، فكان يفعل ذلك ، ثمّ قام إلى امرأته ليقبّلها ، فوضعت كفّها على وجهها فندم الرّجل ، فلمّا وافى الثّقفي مع الرّسول صلّى اللّه عليه وآله لم ير الأنصاري ، وكان قد هام في الجبال للتّوبة ، فلمّا عرف الرّسول صلّى اللّه عليه وآله سكت حتّى نزلت « 2 » .
وقيل : إنّ نبهان « 3 » التّمار أتته امرأة حسناء تطلب منه تمرا ، فقال لها : هذا التّمر ليس بجيّد ، وفي البيت تمر أجود منه ، فذهب بها إلى بيته فضمّها إلى نفسه وقبّلها ، فقالت له : اتّق اللّه ، فتركها وندم على ذلك .
وأتى [ الرسول ] صلّى اللّه عليه وآله وذكر له ذلك ، فنزلت « 4 » .
هامش
( 1 ) . تفسير أبي السعود 2 : 86 .
( 2 ) . تفسير الرازي 9 : 9 .
( 3 ) . في النسخة : تيهان ، راجع : أسد الغابة 5 : 13 .
( 4 ) . تفسير أبي السعود 2 : 86 .