تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 74

مساهمون:

ص٧٤
الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا
ولا تأخذوا
الرِّبَوا
حال كونه
أَضْعافاً مُضاعَفَةً
ورباءات كثيرة متكرّرة . قيل : كان الرّجل في الجاهليّة إذا كان له على إنسان مائة درهم إلى أجل ، ولم يكن المديون واجدا لذلك المال ، قال : زدني في المال حتّى أزيدك في الأجل ، فربّما جعله مائتين ، ثمّ إذا حلّ الأجل الثاني فعل مثل ذلك ، ثمّ إلى آجال كثيرة ، فيأخذ بسبب تلك المائة أضعافها « 1 » . وتقييد الرّبا بهذه الحال ليست لتقييد النّهي بها ، حتّى تنتفي الحرمة بانتفائها ، بل لمراعاة ما كانوا عليه من العادة ، مع زيادة التّشنيع .
وَاتَّقُوا اللَّهَ
في جميع ما نهيتم عنه ، ومنه الرّبا
لَعَلَّكُمْ
بالتّقوى ، وترك أكل الرّبا
تُفْلِحُونَ
وتفوزون بأهمّ المقاصد وتنالون خير الدّارين
وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ
وهيّئت في الآخرة
لِلْكافِرِينَ
ولا تشاركوهم بأكل الرّبا في التّعذيب بنارهم . ثمّ أكّد الأمر بالتّقوى بالأمر بالطّاعة بقوله :
وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ
في ما أمراكم به من الجهاد وسائر العبادات ، وما نهياكم عنه من أخذ الرّبا الذي يماثل الكفر ، وغيره من المحرّمات
لَعَلَّكُمْ
بالطّاعة
تُرْحَمُونَ
فإنّها موجبة لرجاء الرّحمة .

في دلالة الآية على غاية التغليظ في حرمة الربا

قيل : إنّ في الآيات من المبالغة في التّهديد على الرّبا ما لا يخفى على الفطن حيث أتى سبحانه ب ( لعلّ ) في فلاح من أتّقاه واجتنبه ؛ لأنّ تعليق إمكان الفلاح ورجائه بالاجتناب منه ، يستلزم امتناع الفلاح لهم إذا لم يجتنبوه ويتّقوه مع إيمانهم ، ثمّ أوعد عليه بالنّار التي أعدّت للكافرين ، مع كونهم مؤمنين . فما أعظمها من معصية توجب عقاب الكفّار للمؤمنين ، وما أشدّه من تغليظ عليه ! ثمّ أيّد التّغليظ بالأمر بإطاعة اللّه ورسوله ؛ تعريضا بأنّ آكل الرّبا منهمك في المعصية ولا طاعة له . ثمّ علّق رجاء المؤمنين رحمة اللّه بالطّاعة ؛ إشعارا بأنّه لا رجاء للرّحمة مع هذا النّوع من العصيان ، فهو يوجب اليأس من رحمته للمؤمنين لانتفائها لهم معه . فانظر كيف درّج التّغليظ في التّهديد ، حتّى ألحقه بالكفّار في الجزاء والعقاب ، انتهى « 2 » . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : « لعن اللّه آكل الرّبا ، وموكله ، وشاهده ، وكاتبه ، والمحلّل » « 3 » .

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 133 ]

وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ( 133 )
هامش
( 1 ) . تفسير الرازي 9 : 2 ، تفسير روح البيان 2 : 92 . ( 2 ) . تفسير روح البيان 2 : 93 . ( 3 ) . تفسير روح البيان 2 : 93 .