فهذا عنى اللّه ، وكيف لا يكون له من الأمر شيء وقد فوّض اللّه إليه أن جعل ما أحلّ فهو حلال ، وما حرّم فهو حرام ؟ ! » « 1 » .
[ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 129 ]
وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 129 )
ثمّ أنّه [ تعالى ] - لمّا ذكّر أنّ أمر المغفرة والتّعذيب إليه ، ولا دخل لغيره فيه - ذكر أنّ جميع أمور الموجودات راجعة إليه ، بقوله :
وَلِلَّهِ
بالملكية التّامة ؛ بلا مشارك ولا مضادّ
ما
وجد
فِي السَّماواتِ وَما
خلق
فِي الْأَرْضِ
فأمور جميع الموجودات - إيجادا وإعداما ، وإحياء وإماتة ، وتصرّفا وترتيبا - راجعة إليه ، لا مدخل لغيره فيها ، فهو سبحانه
يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ
أن يغفر له ، بحسب الحكمة والتّفضّل
وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ
أن يعذّبه ، بحسب العدل والاستحقاق .
وإنّما قدّم المغفرة على التّعذيب ، للدّلالة على غلبة جانب الرّحمة على الغضب ، وللإشعار بأنّ المغفرة أصل في الغرض من الخلقة ، والتّعذيب مقصود بالعرض .
ولذا ختم الآية بتوصيف ذاته المقدّسة - بعد ذكر التّعذيب - بالمغفرة والرّحمة ، بقوله :
وَاللَّهُ غَفُورٌ
للذّنوب
رَحِيمٌ
بالعباد . وتقديم المغفرة على الرّحمة ، لتقدّم الأمن من العذاب على الوعد بالرّحمة والثّواب .
قيل : إنّ الآية صريحة في نفي وجوب التّعذيب « 2 » ، لتعليقه على مشيئته [ تعالى ] .
وفيه : إنّ مشيئته [ تعالى ] لا تكون إلّا عن حكمة بالغة ، ومعنى الوجوب : عدم إمكان تخلّفه عن مقتضاها ، لا الوجوب التّكليفي ، كما هو واضح على ذي مسكة .
[ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 130 إلى 132 ]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 130 ) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ ( 131 ) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( 132 )
في حرمة الربا
ثمّ أنّه تعالى بعد ما أناط السّلامة من كيد العدوّ وضرّه بالصّبر والتّقوى ، وهدّد الكفّار بأنّه يعذّبهم في الآخرة إن لم يتوبوا ويسلموا ، نبّه على إناطة السّلامة من عذاب النّار في الآخرة باجتناب أكل الرّبا والتّقوى ، وأنّ للمؤمنين معصية تشارك الكفر في العقوبة ، بقوله :
يا أَيُّهَا
هامش
( 1 ) . تفسير العياشي 1 : 337 / 778 ، تفسير الصافي 1 : 350 .
( 2 ) . تفسير البيضاوي 1 : 179 .