تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 77

مساهمون:

ص٧٧
وروي أنّه ينادي مناد يوم القيامة : أين الّذين كانت أجورهم على اللّه ؟ فلا يقوم إلّا من عفا « 1 » . وإنّما ذكر سبحانه الإنفاق بصيغة المضارع لكونه ممّا يتجدّد ويحدث ، والكظم والعفو بصيغة الفاعل لكونهما من الملكات المستمّرة . ثمّ أشار سبحانه إلى علّة تخصيصه الجنّة بالمتّقين وتهيئتها نزولا لهم ، بقوله :
وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
الّذين تمّت فضائلهم ، وعمّت فواضلهم ، فاستحقّوا بحبّه إيّاهم هذا التّشريف والتّكريم ، وبإحسانهم إلى الغير ، بالإنفاق وكظم الغيظ والعفو والإحسان الجسيم من اللّه . وقيل : إنّ الصّفات الثّلاث لمّا كانت مشتركة في كونها إحسانا إلى الغير ، خصّ المتّصفين بها بثواب أعظم من الجنّة ونعيمها ، وهو حبّ اللّه لهم . وقيل : إنّ الآية جامعة لجميع جهات الإحسان إلى الغير ، فإنّه إمّا يكون بإيصال النّفع إليه ، أو بدفع الضّرر عنه أمّا إيصال النّفع إليه ، فهو المراد بقوله :
الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ
فإنّه يدخل فيه إنفاق العلم بتعليم الجاهلين ، وهداية الضّالّين ، وإنفاق القوى بالسّعي في قضاء الحوائج ، وإنفاق المال في وجوه الخيرات وأمّا دفع الضّرر عن الغير ، فهو إمّا في الدّنيا ، وهو أن لا يشتغل بإساءة في مقابل إساءة ، وإمّا في الآخرة ، فهو أن يبرئ ذمّته من التّبعات والمطالبات . روى بعض العامّة أنّ خادما كان قائما على رأس الحسن بن عليّ عليهما السّلام ، وهو مع أضيافه في المائدة ، فأنحرفت قصعة كانت في يد الخادم ، فسقط منها شيء على الحسن فقال :
وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ
قال عليه السّلام : « قد عفوت عنك » فقال :
وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
. قال عليه السّلام : « أنت حرّ لوجه اللّه ، وقد زوّجتك فلانة فتاتي ، وعليّ ما يصلحكما » « 2 » . وعن السّجاد عليه السّلام من طرق أصحابنا : أنّ جارية له صبت على يديه الماء ، فسقط الإبريق من يدها فشجّه ، فرفع رأسه إليها ، فقالت الجارية :
وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ
قال عليه السّلام لها : « كظمت غيظي » . فقالت :
وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ
فقال عليه السّلام : « عفا اللّه عنك » . فقالت :
وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
. قال عليه السّلام : « ارجعي ، أنت حرّة لوجه اللّه » « 3 » . أقول : يستفاد من الرّوايتين أنّ التّذييل لبيان صفة رابعة ؛ وهي الإحسان إلى المسئ ببذل المال ، وإيصال النّفع إليه ، أو دفع الضّرر عنه .

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 135 ]

وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( 135 )
هامش
( 1 ) . تفسير روح البيان 2 : 95 . ( 2 ) . تفسير روح البيان 2 : 95 . ( 3 ) . مجمع البيان 2 : 838 ، تفسير الصافي 1 : 351 .
نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 77 | الشيخ محمد النهاوندي