ثمّ بيّن سبحانه علّة إمداد المؤمنين ونصرتهم بالملائكة ، مع كونه تعالى قادرا عليها بلا واسطة ؛ بقوله :
وَما جَعَلَهُ اللَّهُ
بإنزال الملائكة ، لعلّة من العلل
إِلَّا
لكونه
بُشْرى
وسرورا
لَكُمْ
بالنّصر
وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ
وتسكن إليه أفئدتكم من الخوف ، كما كانت السّكينة لبني إسرائيل ، حيث إنّ نظر العامّة إلى الأسباب
وَمَا النَّصْرُ
والغلبة لأحد على عدوّه
إِلَّا
وهو كائن
مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
وحده ، لا من العدّة والعدد ؛ لأنّه
الْعَزِيزِ
الغالب في حكمه وقضائه ، لا يغالب
الْحَكِيمِ
العالم بحقائق الأمور ، لا يفعل ما يفعل إلّا بالنّظر إلى الحكمة البالغة ، والصّلاح الأتمّ .
[ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 127 ]
لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ ( 127 )
ثمّ أنّه تعالى بعدما بيّن علّة نصر الرّسول والمؤمنين بواسطة إنزال الملائكة - الذي هو من قبيل الأسباب ، مع عدم حاجته تعالى في فعله إليها بوجه من الوجوه ؛ لأنّه المسبّب للأسباب - بيّن سبحانه وتعالى علّة أصل نصرة المؤمنين على الكفّار ، بقوله :
لِيَقْطَعَ
وينقص
طَرَفاً
وطائفة
مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا
بالقتل والأسر ، فإنّه قتل من رؤسائهم وصناديدهم سبعون وأسر سبعون
أَوْ يَكْبِتَهُمْ
ويغيضهم بخزيهم وقهرهم
فَيَنْقَلِبُوا
إلى أماكنهم ، ويرجعوا إلى منازلهم
خائِبِينَ
محرومين من الظّفر ، منهزمين عن القتال . وكلمة ( أو ) هنا للتّنويع ، لا التّرديد .
[ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 128 ]
لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ ( 128 )
ثمّ إنّه تعالى - لإظهار شدّة الغضب على قريش ، أو خصوص الحاضرين منهم في بدر أو أحد ، ولإعذار النبيّ صلّى اللّه عليه وآله عند أرحامه وعشيرته - سدّ باب شفاعته لهم ، بقوله :
لَيْسَ لَكَ
مع كونك أقرب الخلق إليّ ، وأحبّهم لديّ
مِنَ الْأَمْرِ
الراجع إلى هؤلاء الكفّار
شَيْءٌ
من الدّخالة والشّفاعة فضلا عن غيرك ، بل الأمر كلّه للّه المالك القاهر .
فإذن يتعامل معهم بأحد هذين الأمرين
أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ
إن يتوبوا ويسلموا ،
أَوْ يُعَذِّبَهُمْ
بالقتل والأسر والذّل والفقر والمرض في الدّنيا ، وبالنّار والزّقّوم والضّريع في الآخرة ، إن أقاموا على الكفر ، وأصرّوا على الضّلال . وليس لأحد الاعتراض على اللّه في تعذيبهم
فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ
على رسوله وعلى المؤمنين ، والظلم لكونه أشدّ القبائح ، موجب لاستحقاق أشدّ العذاب .