وهما كانا
مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ
اللّه ويتّقون ، وقد
أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا
بنعمة اليقين الصّادق بوعد اللّه وباليوم الآخر ، والثّقة بعونه ونصرته ، تشجيعا لهم وتقوية لقلوبهم : يا قوم
ادْخُلُوا
بجماعتكم دفعة وبغتة
عَلَيْهِمُ الْبابَ
الذي لبلد الجبّارين ، وضاغطوهم في المضيق حتّى لا يمكنهم الخروج إلى الصّحراء ، ولا يجدوا للحرب مجالا .
ثمّ أنّهما بعد تعليمهم كيفيّة الحملة عليهم ، وعداهم النّصر والغلبة ؛ بقوله :
فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ
وضيّقتم عليهم العرصة
فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ
عليهم لا محالة ، وهم منهزمون منكم البتة ؛ لضعف قلوبهم ، وتعسّر الكرّ عليهم
وَعَلَى اللَّهِ
خاصّة
فَتَوَكَّلُوا
في الغلبة عليهم ، وفي غيرها من الأمور ، ولا تعتمدوا على الأسباب بعد تهيئتها وترتيبها
إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
باللّه ، مصدّقين بوعده ، عارفين بقدرته .
[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 24 ]
قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ ( 24 )
فلمّا لم يفد بني إسرائيل نصح الرّجلين ، ولم يؤثّر فيهم التّشجيع ، ولم يفيضوا بتعليم كيفيّة الحرب وطريق الغلبة وتنبيههم على التّوكّل على اللّه ، بالغوا في الامتناع عن الدّخول في الأرض المقدّسة خوفا على أنفسهم ، و
قالُوا
تمرّدا عن طاعة اللّه ورسوله ، واستهانة بهما :
يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً
خوفا من الجبابرة ، ولا نرد أرضهم
ما دامُوا فِيها
مقيمين ، فإن كان لك الغلبة عليهم
فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ
معا إلى أرضهم
فَقاتِلا
هم
إِنَّا
جميعا
هاهُنا
وفي مكاننا هذا
قاعِدُونَ
منتظرون نصركما وغلبكما عليهم ، وإخراجكما إيّاهم من أرضهم .
[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 25 ]
قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ ( 25 )
فلمّا يئس موسى عليه السّلام من طاعة قومه بعد أن سمع منهم الامتناع والاستهزاء
قالَ
بثّا وحزنا وتشكّيا من تمرّدهم إلى اللّه :
رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ
طاعة أحد
إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي
الذي هو بمنزلة نفسي ، وفي حكم جوارحي التي لا تتخلّف عن إرادتي .
وإنّما لم يذكر الرّجلين اللّذين يخافان ، مع كونهما في غاية الطّاعة والانقياد له ، إعظاما لشأن هارون من أن يكون له قرين في الانقياد والتّسليم .
ثمّ دعا لنفسه ولأخيه ، وعلى قومه المتمرّدين بقوله :
فَافْرُقْ
يا ربّ وافصل
بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ