ثمّ بعد تذكيرهم النّعم التي أنعم اللّه عليهم ، أمرهم بمجاهدة أعداء اللّه بعد إعادة مخاطبتهم مزيدا للاستعطاف بقوله :
يا قَوْمِ
جاهدوا أعداء اللّه وأعداءكم ، و
ادْخُلُوا
بعد الغلبة عليهم
الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ
والبلاد الطّيّبة الكثيرة النّعم
الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ
وقدّر في اللّوح المحفوظ إسكانها
لَكُمْ
.
روي أنّ إبراهيم عليه السّلام لمّا صعد جبل لبنان قال اللّه تعالى له : انظر ، فما أدركه بصرك فهو مقدّس وميراث لذرّيّتك « 1 » .
وعن الباقر عليه السّلام : « يعني : الشّام » « 2 » .
وَلا تَرْتَدُّوا
ولا ترجعوا
عَلى أَدْبارِكُمْ
وأعقابكم خوفا من الجبابرة ، ولا تهزموا من بأسهم .
وقيل : إنّ المراد : لا ترجعوا عن الدّين الحقّ إلى الشّكّ « 3 » ، أو لا ترجعوا عن الأرض التي أمرتم بدخولها إلى الأرض التي خرجتم منها - وهي أرض مصر « 4 » -
فَتَنْقَلِبُوا
وتنصرفوا حال كونكم
خاسِرِينَ
مغبونين في الدّنيا والآخرة ، لفوتكم المنافع العظيمة والثّواب وابتلائكم بالمحن والعذاب .
[ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 22 إلى 23 ]
قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ ( 22 ) قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 23 )
ثمّ حكى اللّه تعالى امتناع بني إسرائيل عن امتثال أمر موسى بعد تلك التّرغيبات والمواعظ بقوله :
قالُوا
بعد اطّلاعهم على قوّة الجبابرة وشوكتهم ، والخوف من قتالهم :
يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ
أقوياء قاهرين ، أو طوالا عظام الأجساد ، قيل : كانت أيدي قوم موسى لا تصل إليهم ( 5 )
وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها
أبدا خوفا منهم
حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها
بميل أنفسهم ، ويخلّوا بلادهم لنا من غير صنع منّا ؛ لعدم قدرتنا على إخراجهم منها بالقهر .
فَإِنْ يَخْرُجُوا
بسبب من الأسباب
مِنْها
من غير دخل منّا في خروجهم
فَإِنَّا
حينئذ
داخِلُونَ
فيها ، فلمّا أبوا عن الدّخول في الأرض المقدّسة - وهي بيت المقدس ، أو بلدة أريحا -
قالَ
لهم
رَجُلانِ
كاملان في صفات الرّجوليّة من الشّجاعة والفتوّة اسمهما كالب ويوشع ،
هامش
( 1 ) . تفسير الرازي 11 : 196 .
( 2 ) . تفسير العياشي 2 : 27 / 1235 ، تفسير الصافي 2 : 25 .
( 3 و 4 ) . تفسير الرازي 11 : 198 .