تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 354

مساهمون:

ص٣٥٤
الإيمان والأعمال الصّالحة
وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ
تعذيبه ، وهم أهل الكفر والعصيان . ثمّ أعاد تقرير كمال قدرته وعظمة سلطانه تربية للمهابة في القلوب بقوله :
وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما
يتساوى نسبة جميع الموجودات إليه ، لا فضيلة لأحد على أحد إلّا بالإيمان والطّاعة والعبوديّة
وَإِلَيْهِ
وإلى حكمه
الْمَصِيرُ
والمرجع في الآخرة ، لا إلى غيره ، فيجازيكم بكفركم وسيّئات أعمالكم وأقوالكم أسوأ الجزاء . روي عن ابن عبّاس رضى اللّه عنه : أنّها نزلت في جماعة من اليهود والنّصارى ، دعاهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله إلى الإيمان ، وخوّفهم بعقاب اللّه تعالى ، فقالوا : كيف تخوّفنا بعقاب اللّه ونحن أبناء اللّه وأحبّاؤه « 1 » !

[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 19 ]

يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 19 ) ثمّ أنّه تعالى بعدما أبطل تلك الدّعاوى من اليهود والنّصارى بالحجج القاطعة ، وكان ذلك من معجزات النبيّ صلّى اللّه عليه وآله مع كونه امّيّا ، أعاد دعوتهم إلى الإيمان به بقوله :
يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا
محمّد صلّى اللّه عليه وآله لهدايتكم إلى الحقّ ، حال كونه مع امّيّته
يُبَيِّنُ لَكُمْ
شرائع اللّه وسننه ، ويشرح لكم معضلات الأمور
عَلى
حين
فَتْرَةٍ
كائنة
مِنَ الرُّسُلِ
وفي زمان انقطاع الوحي وظلمة الجهالة . وكان احتياج الخلق إلى مبيّن الأحكام الإلهيّة والشّرائع الدّينيّة ، لتقادم عهدها ، وطول زمانها ، وتصرّف التّغيير والتّحريف إليها ، واختلاط الحقّ بالباطل والصّدق والكذب ، بحيث صار ذلك عذرا ظاهرا لأهل الضّلال في إعراضهم عن الحقّ والعبادة . فكان إرسال الرّسول لأجل كراهة
أَنْ تَقُولُوا
اعتذارا : ربّنا
ما جاءَنا
في الدّنيا
مِنْ بَشِيرٍ
بثوابك
وَلا نَذِيرٍ
من عقابك ، فنتّبع آياتك ، ونكون من المؤمنين . فأجابهم اللّه بقوله :
فَقَدْ جاءَكُمْ
الآن من قبل اللّه
بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ
فتمّت عليكم الحجّة ، وانقطع العذر
وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ
من إرسال الرّسول ، وقطع الأعذار
قَدِيرٌ
لا يعجزه شيء . قيل : كان بين موسى وعيسى عليهما السّلام ما يقرب من ألف وسبعمائة سنة ، وألفا نبيّ ، وبين عيسى ومحمّد صلّى اللّه عليه وآله ستّمائة سنة وأربعة من الأنبياء ؛ ثلاثة من بني إسرائيل ، وواحد من العرب يقال له خالد
هامش
( 1 ) . تفسير الرازي 11 : 192 ، تفسير أبي السعود 3 : 21 .