تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 230

مساهمون:

ص٢٣٠
ثمّ بالغ سبحانه في الوعيد وعمّمه لجميع الكفّار ؛ بقوله :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
ولم يؤمنوا
بِآياتِنا
وبراهيننا الدّالّة على التّوحيد ، ورسالة رسلنا ، واليوم الآخر
سَوْفَ نُصْلِيهِمْ
وندخلهم
ناراً ،
ثمّ كأنّه قيل : كيف يبقون فيها ؟ فقال :
كُلَّما نَضِجَتْ
واحترقت
جُلُودُهُمْ
بالنّار
بَدَّلْناهُمْ
وألبسناهم بالقدرة الكاملة
جُلُوداً
جديدة حاسّة ، تكون عين الجلود المنضوجة مادّة ، و
غَيْرَها
صورة
لِيَذُوقُوا الْعَذابَ
الشّديد ، ويدركوا ألمه . ثمّ لمّا كان مجال توهّم عدم إمكان بقاء جسد الإنسان في النّار أبد الآباد ، وعدم لياقة العذاب الشّديد الدّائم بسعة رحمة الرّحيم ، سدّ اللّه تعالى باب المتّوهّمين بقوله :
إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً
وقادرا
حَكِيماً
لا يصدر منه إلّا الصّواب ، ولا يضع شيئا إلّا في موضعه .

[ سورة النساء ( 4 ) : آية 57 ]

وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً ( 57 ) ثمّ أنّه تعالى ؛ على حسب دأبه في الكتاب العزيز ، أرفد الوعد بالوعيد بقوله :
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ
في الآخرة
جَنَّاتٍ
وبساتين ذات أشجار وقصور
تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ
الكثيرة ، حال كونهم
خالِدِينَ فِيها أَبَداً
لا موت لهم ولا زوال نعمة
لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ
من الأدناس ، منزّهة من الأخلاق الذّميمة
وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا
دائما
ظَلِيلًا
لا حرّ فيه . قيل : هو كناية عن النّعمة التّامّة الدّائمة « 1 » ، وقيل : كناية عن الرّاحة الأبديّة « 2 » .

[ سورة النساء ( 4 ) : آية 58 ]

إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً ( 58 ) ثمّ عاد سبحانه إلى بيان حقوق النّاس التي من أهمّها ردّ الأمانات ، بقوله :
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ
أيّها المؤمنون ، ويوجب عليكم
أَنْ تُؤَدُّوا
وتوصلوا
الْأَماناتِ
والودائع الكائنة عندكم
إِلى أَهْلِها
وأصحابها . روي أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله لمّا دخل مكّة يوم الفتح ، أغلق عثمان بن طلحة بن عبد الدّار - وكان سادن الكعبة - باب الكعبة وصعد السّطح ، وأبى أن يدفع المفتاح إليه وقال : لو علمت أنّه رسول اللّه لم أمنعه ، فلوى عليّ بن أبي طالب عليه السّلام يده وأخذه منه وفتح ، ودخل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وصلّى ركعتين ،
هامش
( 1 ) . تفسير البيضاوي 1 : 220 . ( 2 ) . تفسير الرازي 10 : 137 .