وشأن المؤمن الضارع أن يحسب أن ذنوبه قبل حسناته ، فيطلب الغفران قبل طلب الجزاء على الطاعة ؛ لأنه يحس أنه لم يقم بحق اللّه تعالى عليه ، حتى يطالب بحق له ،
ارْحَمْنا
، أي امنن علينا بدوام الهداية ، وأدخلنا في رحمتك ، دعوا اللّه تعالى أن يرحمهم ولم يدعوه بأن يكافئهم ، بل يحسبون كشأن الأبرار أن ما كان يجزيهم به من خير فهو فضل رحمته ورضوانه ، ولا يحسبون أنهم عملوا ما يستحقون عليه جزاء ،
وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ
، أي وأنت الذي ترحم رحمة ليس فوقها رحمة يا رب العالمين .
ما ذا كان لقاء المشركين لهؤلاء المؤمنين ؟
فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ
( 110 ) .
الفاء للإفصاح عن شرط مقدر ، أي إذا كانوا على هذه الضراعة ، فلم يقتدوا بهم ويأتسوا ، بل اتخذوهم سخريا . . قرئ بضم السين ، وقرئ بكسرها « 1 » ، وفرق بعض اللغويين بأن القراءة بالضم معناها التسخير ، وبالكسر معناها الاستهزاء ، ولا يعرف هذه التفرقة الخليل بن أحمد ولا سيبويه ولا الكسائي ولا الفراء بل هما لغتان بمعنى واحد ، ولقد كان المشركون يسخرون من الذين آمنوا ، وقوله تعالى :
حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي
، أي أن هذه السخرية جعلتهم لا يلتفتون إلى معاني الذكر الحكيم ، ولا يتدبرون آياته ، ولا يعتبرون بعبره ، وإنه بسبب هذا كله ينسون ذكر اللّه تعالى فلا تمتلئ قلوبهم به ، ولا يخشونه ،
وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ
، أي كنتم أيها المشركون الساكنون في جهنم تضحكون منهم ، والضحك يميت القلب ، ولا تكون معه عبرة ولا استبصار .
إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ
( 111 ) .
قرئ بفتح همزة « أن » « 1 » وتكون مجرورة بلام محذوفة ، والمعنى إني جزيتهم
هامش
( 1 ) قرأها بضم السين : نافع وأبو جعفر ، وحمزة والكسائي وخلف ، ووافق أبو يزيد ( عن المفضل عن عاصم ) - جبلة ، وقرأ الباقون بكسر السين . غاية الاختصار : 2 / 485 .