تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 5126

مساهمون:

ص٥١٢٦
إن هذه الدنيا مع أدوارهم فيها من أجنة في الأرحام إلى الخروج من بطون أمهاتهم أطفالا فشبابا فكهولا يكون الإحساس بها ، كأنها يوم أو بعض يوم ؛ ولذا يسألون يوم القيامة عن مدة مكثهم
قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ
، أىّ مدة بقيتم في الأرض قد اتخذتموها مهادا وفراشا وأفسدتم بها ما أفسدتم وعادين ذلك بالسنين
عَدَدَ سِنِينَ
هذا بيان لأصل الاستفهام بعد نوع إيهام ، أي كم لبثتم من عدد السنين ، فالسؤال عن عدد السنين ، لا عن عدد الشهور والأيام ؛ لأنهم في ذلك الوقت يكونون قرب الخروج من أرحام الأمهات أطفالا ، فالسؤال عن وقت وعيهم وهو يكون بالسنين . وقد أجابوا : بأنهم مكثوا يوما أو بعض يوم ؛ لأنهم كانوا فيها يتمتعون ويرتعون في الحرام فكانت قصيرة في نظرهم ، ولذا قالوا :
قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعادِّينَ
( 113 ) : ( الفاء ) للإفصاح ، أي أنهم يجهلون عدد السنين فلا يستطيعون الإجابة ، وأحسوا بأن الذي يسألهم عنده وسائل المعرفة ، وعده عليهم من سنين حياتهم في الدنيا ، كما أحصى أعمالهم ، ووجدوها محضرة ، فمن أحصى الأعمال لا بد أن يعرف عدد السنين ؛ ولذا
فَسْئَلِ الْعادِّينَ
، أي الذين من شأنهم أن يعدوا ويحصوا . وقد أكد سبحانه أنهم ما لبثوا إلا قليلا ، والقلة بالنسبة للآخرة ، ولذا قال عزّ من قائل :
قالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
( 114 ) .
إِنْ
نافية ، أي ما لبثتم إلا زمنا قليلا ؛ لأن الدنيا متاع قليل غير باق ، والآخرة خير وأبقى ، فمهما تطل الآجال في الدنيا فهي فانية ، والفاني قليل إذا وزن بالباقي الذي لا يفنى ، وذلك ما لم يكونوا يعلمونه إذ كانوا يقولون ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا ، وما نحن بمبعوثين ؛ ولذا قال تعالى :
لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
، أي لو ثبت وقرّ في نفوسكم أنكم كنتم تعلمون حقيقة هذه الدنيا ، وأنها معبر طال
زهرة التفاسير — صفحة 5126 | محمد أبو زهرة