تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 5479

مساهمون:

ص٥٤٧٩
بعد أن ندفن ، ولذا قال تعالى عنهم :
أَ إِنَّا لَمُخْرَجُونَ
، أي أننا نخرج من القبور ، بعد أن دفنا فيها ، وصرنا في ضمن أجزائها ، ولا منفصل عنها ، فكيف يتميز خلقنا عن خلقها ، وقد أكدوا عدم الخروج بتكرار الاستفهام ، كأنه في ذاته أمر غريب ، وزكوا الاستفهام المانع باللام والوصف ، أي أنكون مخرجين حقا وصدقا ، وخروجا مؤكدا . وقوله تعالى :
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا
كان الإظهار في موضع الإضمار ، فلم يقل وقالوا ؛ وذلك لأن الصلة وهي الجحود والكفر هما الإنكار ، واستغراق المادة لهم ، حتى إنهم لا يفكرون قط في أمر معنوي ، ولا أمر غيبى فقد استغرقتهم المادة حتى صاروا لا يؤمنون إلا بها .
لَقَدْ وُعِدْنا هذا نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ
( 68 ) . هذه الآية تدل على أن المشركين في مكة كانت عندهم بقايا من الديانات ، وخصوصا ملة إبراهيم ، ولكن نفوسهم مرنت على الإنكار واستمرأت الجحود ، واستغرقتهم المادة ، فلا يؤمنون إلا بما يوائمها ويوافقها ، وذلك بقولهم
لَقَدْ وُعِدْنا هذا نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ
، أي قبل أن يجئ محمد ، وأكد الوعد باللام ، وبقد ، وينتقلون من الإنكار المطلق إلى ادعاء كذب هذا الوعد ، وكان من أبيهم مكان شرفهم الذي يعتزون ، به ويقولون
إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ
إن نافية ، والمعنى ما هذا إلا أساطير الأولين اكتتبها ، فهي تملى عليه بكرة وأصيلا . وهكذا يشتطون في القول حتى ليصلوا إلى اتهام إبراهيم مناط شرفهم وعزتهم بأنه يأتي بأساطير . بقي أن يذكرهم سبحانه بما نزل بمن كانوا على إنكارهم فقال عزّ من قائل :
قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ
( 69 ) . الأمر للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهو أمر للتذكير بالعذاب الذي نزل بإخوانهم ، وقريب منهم آثار عاد وثمود وأصحاب الأيكة ، وقوم لوط وغيرهم .
زهرة التفاسير — صفحة 5479 | محمد أبو زهرة