تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 5477

مساهمون:

ص٥٤٧٧
أولهما أن تلاحق العلم في الدنيا ، فقد تلاحقت الأدلة على إمكان البعث ، والحياة في الآخرة مثل قوله تعالى
. . كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ
( 29 ) [ الأعراف ] ، وقوله تعالى :
. . مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ( 78 ) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ . .
( 79 ) [ يس ] وقوله تعالى :
قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً ( 50 ) أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ . .
( 51 ) [ الإسراء ] . وهكذا كثير من الآيات الكريمات التي تبين قرب العودة ، وأنها غير مستحيلة ، بل إنها واجبة ؛ لأن اللّه ما خلق الإنسانية عبثا ، كما قال تعالى :
أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ
( 115 ) [ المؤمنون ] إنها واجبة . التخريج الثاني أن يكون ذلك العلم المتدارك المتلاحق في الآخرة ، إذ يكون الحس بالبعث ، ويكون الحساب والثواب والعقاب ، وتشهد عليهم ألسنتهم وسائر جوارحهم ، ويكون العلم اليقيني في الآخرة ، ويرشح لهذا قوله تعالى في الآخرة لأنه يفيد أن ذلك التلاحق العلمي في الآخرة . وبل للإضراب الانتقالى ، وهو الانتقال من موضوع إلى موضوع ، أو الانتقال من عدم الشعور بالبعث إلى العلم به علم يقين ، وبل الثانية للإضراب الانتقالى ، وهو الانتقال من العلم المتلاحق الذي سيكون الآن أو من الآن إلا أنهم في حال شك من الإيمان ، لا اليقين ، ولذا قال تعالى :
بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها
، أي أنه مع هذا العلم المتوافر المثبت لليقين بالبعث كانوا في شك منه ، وقد أكد سبحانه الشك في قوله :
بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها
وكان التوكيد ببل المفيدة للإضراب ، وبالضمير ، وبأن الشك أحاط بهم كما تحيط الدائرة بقطرها ، فهم سيغرقون فيه لا يخرجون عنه ، ولا يتركونه إلى يقين أيضا ، والضمير يعود إلى الآخرة التي يرتابون فيها
بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ
جمع عم أي أنهم عمى عن الآخرة ، أي أنها واقعة لا ريب ، ولكنهم عمون عن حقائقها ، وما يكون فيها ، فالحقائق ثابتة بأدلتها السمعية والنقلية ، ولكنهم عمون عنها غافلون ، وليس العيب في حقائق يوم القيامة ، إنما العيب في عماهم عنها . وتقدم الجار والمجرور لمعنى الاختصاص ، أي أنهم عمون عن الحياة الآخرة وليسوا عمين عن غيرها ، وهي أعراض الدنيا ، وما فيها من لهو ولعب ، وملاذ ، وشهوات ، وأكد الحكم بالإضراب وبالضمير ، وبالجملة الاسمية .
زهرة التفاسير — صفحة 5477 | محمد أبو زهرة