الجيش ، وأكد نتيجته ، بقوله :
لَنُخْرِجَنَّهُمْ
والإخراج يصح أن يكون المعنى إبعادهم عن سلطان الحكم ، فلا يكون لهم رأى ولا إرادة ، وكأنهم المخرجون ، وأذلة أي كونهم أذلاء صاغرين أي منحطين إلى المنزل الدون راضين بذلك ؛ لأنه لا قدرة عندهم على تغيير حالهم ، والتفكير في أمرهم ، كان هذا رد الملك النبي ، وما كان ليسكت عن قوم يعبدون الشمس ومشركين ، فهو ملك نبي ونبوته لا تتأخر ، بل هي العامل الأول المسير لملكه دائما .
بعد ذلك أخذ يفكر في تعرف حالهم ، وإظهار القدرة التي منّ اللّه بها عليه ، فأراد أن يختبر ذكاءها قال :
قالَ يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ
( 38 ) .
العرش كرسي السلطان ، وقد سبق أن وصف الهدهد ذلك العرش بأنه عرش عظيم ، قد أوتى من الأبهة والزخرفة الكثير ، وإنه دليل على كمال السيطرة ، وكمال الثروة ، وما الذي يطلبه نبي اللّه الملك من الملأ من قومه أهو أن يأتوه به ذاته ، ذلك ظاهر القول ، ولو يوجد ما ينفى الظاهر ، ونحن نأخذ بظاهر القول ما لم يوجد من الاستحالة العقلية ما يخرجنا من الظاهر إلى غيره ، فالأمر كله لا غرابة فيه ، فالنمل يتكلم ، ويسمع كلامه ويفهم ، والطير يتكلم ويفهم ، ويرسل في رسائل وكتب إذن فلا غرابة في أن يأتي بعض الملأ بذات العرش .
وقد قال بعض الذين يتكلمون في معاني الذكر الحكيم . إن الذي طلبه نبي اللّه تعالى هو أن يأتوه بصورة العرش لا ذاته ، ونحن نرى أن هذا التأويل وإن كان محتملا لا نرضاه ؛ لأنه غير ظاهر اللفظ ، وظاهر اللفظ يسير في مؤداه ما دام لا يستحيل ، وقوله قبل أن يأتوني مسلمين يقول إن الإسلام هنا هو الخضوع ، ويصح أن يكون المعنى الإسلام الحقيقي ، وهو شهادة أن لا إله إلا اللّه ، وإنا نميل إلى الأول ؛ لأن الإسلام بشهادة الحق جاء بعد ذلك عندما قالت بلقيس :
رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
( 44 ) .
أخذ الملأ ممن حول سليمان يعملون على إجابة طلبه .