كريم ، فقدمت القول الحسن ، الاحترام والتجلة ، ووصفت الكتاب بأنه كريم طيب داع إلى خير لا فساد ، وتلت عليهم الكتاب وهذا نصه :
إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ( 30 ) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ
( 31 ) ابتدأ بذكر المرسل واكتفى باسمه ، ويظهر أنه كان معروفا بين ملوك الأرض ، لأنه أقواهم ، وأعظمهم قدرا وأوسعهم سلطانا ، وعلما ومعرفة ، وهل هناك علم أعلى من أنه يعرف منطق الطير ، ومنطق الأحياء ، وإنه أوتى من كل شئ قوة وعلما ، قوله :
أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ
أن هنا مخففة من الثقيلة ، أي أنه الحال والشأن لا تعلوا علىّ وتستكبروا وتتعاظموا على حين تكون مغالبة ، وائتوني مسلمين ، وفي كلمة مسلمين إيراد الإيمان باللّه وإسلام وجوههم للّه تعالى ، قال بعض المفسرين ذلك ، وقال بعض المفسرين : المراد أن يستسلموا له ويخنعوا له ، وبعد ذلك تكون دعوة الإيمان والإسلام ، وأميل إلى هذا ، لأنه المناسب لقوله :
أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ
.
وقد استرسلت الملكة العاقلة فقالت :
قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ
( 32 ) .
جمعت قومها ، واتخذت خطابها مع أشرافهم وذوى الرأي فيهم الذين يولون ويعزلون ، وقالت لهم :
أَفْتُونِي فِي أَمْرِي
. وأضافت الأمر إليها ، إذ هي المسئولة عنهم ، والمخاطبة بأمر القوم عنهم ، وأخبرتهم أنهم لا تبت في أمر وتقطع فيه برأيها منفردة دونهم ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون ، حتى تشهدوا الأمر وتعاينوه ، ونكون معا ، والنون نون الوقاية ، وياء المتكلم محذوفة أي حتى تشهدونى ، أي حتى تحضروا معي وأتبادل الأمر معكم لنعرف ما يكون فيه خيركم . أجابوها بما يقوى عزمها ويشد أزرها ويطمئن حكمها كشأن حاشية الملوك ، ومدبرى الأمر معهم قالوا :
نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي ما ذا تَأْمُرِينَ
( 33 ) أجابوا بثلاثة أمور مطمئنة ملقية في نفسها روح الاطمئنان على حكمها وسلطانها .