عباس ومن أخذ عنه أنهم غيروا في ألوانه ، وأخذوا بعض ما فيه من جواهر ، ونرى أنهم لم يغيروه ، ولكن نكروه ، ننظر جواب الأمر أي لننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون ، أي لننظر فاحصين ذاتها ، ألها نظرات ثاقبة ، تصل من ورائها إلى الحقيقة محصين مدركين واصلين ، أم هي من أهل الغفلة الذين لا يهتدون ، ولا يمحصون ولا يدركون .
وقد تبين من الاختبار أنها واعية مدركة ، وأن النساء يدركن دائما ما يتعلق بالفراش وزينة الحياة الدنيا ، ولذا علمت ، وإذا كان قد اعتراها نوع تشكك ، فلغرابة أن يجئ إلى نبي اللّه سليمان قبل مجيئها .
قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ
لم تقل إنه هو من قبيل الحرص ؛ لأنها رأته بعينها ولكن كانت الغرابة في أنه جاء قبلها فتساءلت في ذات نفسها ، كيف جاء ، وبأي طريق وصل ، هذا هو الذي تحترس من أن تقول هو هو - بل قالت كأنه ، وقال سليمان مؤكدا أنه هو :
وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها
أي أوتينا العلم به المستيقن المحسوس من قبل مجيئها ، وقد يعلل بهذا من قال : « إنها صورة العرش لا ذاته » وما كان لنا أن نترك الظاهر الذي يبين اليقين بعبارة موهمة غير قاطعة ثم قال : سليمان :
وَكُنَّا مُسْلِمِينَ
أي مذعنين للحق ببيناته .
وإن هذه الأحوال كلها خوارق للعادات مثبتة نبوة سليمان ، وفي الحق أن سلطان سليمان قد قام كله على خوارق للعادات ، وكان الزمن زمن المادة والأسباب ، والمسببات ، فكان هذا الملك قرعا لأسماع الماديين المتعلقين بالأسباب والمسببات العادية ، ويحسبون مخطئين أنها قانون الوجود .
وذكر سبحانه وتعالى حالها فقال :
وَصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ
( 43 ) .
وهنا نجد كتاب اللّه تعالى الذي ينصف في كل أحكامه ، لا تجد فيه عوجا ولا أمتا ، فاللّه سبحانه يبين على لسان نبيه الملك أنه صدها عن سبيل اللّه ما كانت