تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 5453

مساهمون:

ص٥٤٥٣
اتجهت بعد ذلك إلى الملاينة والمسالمة بالإهداء ، والإهداء من المحبة ، ويؤدى إليها إذا لم يكن من ترسل إليه الهدية ملكا ولذا قالت لملئها :
وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ
ذكرتهم بصيغة الجمع ، لأن الملك يكون معه جيش وأقوام ، وهي ترسل إليهم جميعا بهدية ، ويظهر أنها لا تتوقع الأمان المطلق ، بل كانت تتوجس منهم خيفة ، ولذا قالت :
فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ
والفاء عاطفة ، ناظرة بمعنى منتظرة مترقبة الأمر الذي يرجع به المرسلون ، أسلام وأمان ، أم حرب ودمار .
فَلَمَّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أَ تُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ
( 36 ) . هذا وقع الهدية في نفس نبي اللّه وملك الأرض الذي علمه اللّه تعالى منطق الطير ، وجاء لسليمان أي جاء الوفد وقابل سليمان ، ومعه الهدية التي أرسلتها الملكة ، خاطب نبي اللّه وملك الأرض الوفد مستحقرا الهدية ، ومستهينا بتفكير مرسليها
أَ تُمِدُّونَنِ بِمالٍ
، أي أتجعلون المدد الواصل بيني وبينكم مالا والمال هين على وهو عندي بل عندي ما هو خير منه ،
فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ
آتاني الملك العظيم القوى ، وآتاني العلم بكل شئ ومن شؤون الدنيا آتاني علم منطق الطير والأحياء ، وآتاني من كل شئ ،
بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ
، بل للإضراب الانتقالى ورد للهدية ، أنتم تفرحون بهديتكم ، ولا تفرحون بغيرها ، لأنكم ماديون ، لا تفرحون إلا بالمادة وما يتصل بها من أمثالها . وتقديم الجار والمجرور بهديتكم - للقصر والاختصاص ، أي لا تفرحون إلا بها ، ثم هددهم نبي اللّه بالجيوش الجرارة ، فقال :
ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ
( 37 ) . كان الخطاب بالمفرد ؛ لأنه الوفد الذي يخبرهم بأمر سليمان ، وما استعد به لهم ، فلنأتينهم الفاء عاطفة دالة على الترتيب والتعقيب أي فور رجوعهم لنأتينهم ، وقد أكد غزو الشرك بالقسم ، ولام القسم ، ونون التوكيد الثقيلة ، وقد أكد إرسال
زهرة التفاسير — صفحة 5453 | محمد أبو زهرة