أول هذه الأمور الثلاثة
نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ
، أي أصحاب قوة في استعدادنا من حيث العدد والذخيرة ، وكل ما يحتاج إليه الجند القوى المستعد ، وثاني هذه الأمور أنهم
أُولُوا بَأْسٍ
، أي أهل همة ونجدة وشجاعة لا نفرط في الدفاع أو الجهاد إذا دعا داعيه ، وإن بأسنا شديد ، لا نتخاذل في حرب .
الأمر الثالث : أن القيادة كلها ( الأمر إليها ) ، ولذا قالوا :
وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ
، أي نحن نتعاون طائعون فالأمر إليك ،
فَانْظُرِي ما ذا تَأْمُرِينَ
الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها ، أي إذا كان الأمر إليك فانظري ما ذا تأمرين ، أي انظرى في نفسك الذي تأمرين به ؛ لأن الاستعداد كامل تنفيذ الذي تأمرين به كاملا غير منقوص .
قالت لهم بعد أن دبرت أمرها ، وتعرفت مآل أمرها ، وحالها .
قالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ ( 34 ) وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ
( 35 ) .
قدرت ودبرت ورأت المسالمة بدل المقاومة رهبا في الملك ، ورغبا في موادته ، قالت محذرة من غلوائهم ومقدرة أمرها وأمرهم :
إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها
والقرية هي المدينة العظيمة التي تكون مكونة من جموع كثيرة متكاثفة ، ودخولهم القرية العظيمة يكون بحرب جائحة تأكل الأخضر واليابس ، وهذا هو الفساد والخراب ، فلو أمكن ، وفي شر ذلك ما قد يكون خيرا ، وذكرت أمرا آخر يفعله الملوك ، وهو أن يجعلوا أعزة أهلها أذله ، إنما يقلبون الأوضاع فيها فيجعلون من هم في موطن العزة والسلطان ، هم الذين يكونون في موطن الذلة والهوان وإنها في ذلك تشير إلى خوفها على نفسها من أنها في السنام منهم قد تكون غير ذلك ، وأنهم لهاميم قومهم قد يكونون في غير مواضعهم ، وسجلت أن ذلك حال الملوك دائما وهو شأنهم ، ولذا قالت :
وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ
، أي ذلك شأنهم دائما . وكان التعبير بالفعل المضارع لتصور حالهم المستمرة الدائمة كأنها شأن من شؤونهم ، وغاية لهم .