تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 5448

مساهمون:

ص٥٤٤٨
لعقولهم ، وفسادا لتفكيرهم ، واستجابة لدعاة السوء بينهم ، وفعلوا هذه العبادة من دون اللّه ، أي إنهم عبدوها دون أن يعبدوا خالقها الذي خلقها ، وخلق كل ما يكون مما جعلها اللّه تعالى سببا لنمائه ، وهو وحده الخلاق العليم . وذلك لاستيلاء الشيطان على قلوبهم ، ولذا قال عزّ من قائل :
وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ
. إنه من الحقائق النفسية الثابتة أن أول الشر استحسانه ، فالشيطان يزين أعمال السوء للفاعل ويحسنها له ، ويظن أنها الخير وحدها ، وأن ما عداها باطل ، وفرق بين المهتدى وغير المهتدى ، أن من هداه اللّه يميز الخبيث من الطيب ، فلا يتردى في باطل ، وإن تردى فيه سرعان ما يعود إلى الحق ، ولا يقبل وسوسة الشيطان بالشر ، وليس قلبه موضع لتزيينه ، ثم قال
فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ
، أي أنهم بسبب تزيين الشيطان لهم قد مكنوه من أنفسهم ، فصدهم عن السبيل ، أي لعلهم يعرضون عن الطريق المستقيم في ابتدائه ، ومن ضل في أول الطريق سار في ضلال إلى آخره ، ولذا قال مرتبا على ذلك : فهم لا يهتدون ، أي فهم يسيرون في ضلال غير مهتدين إلى الحق إلى النهاية ، حتى يكون الحساب والعقاب :
أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ ( 25 ) اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ
. يصح أن نقول إن قوله تعالى :
أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ
حرف جر محذوف ، وحذفه كثير قبل أن وما بعدها . والمعنى كان ذلك التزيين والصد وعدم الاهتداء في ذاته لأن لا يهتدوا إلى عبادة الخالق الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض . ويصح أن نقول : إنه متعلق ب
زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ
أي أنه حسن ذلك في قلوبهم ليصرفهم عن السبيل ، ويكون التركيب هكذا زين لهم ألا يهتدوا إلى عبادة اللّه تعالى الذي يخرج الخبء . . إلى آخره .
زهرة التفاسير — صفحة 5448 | محمد أبو زهرة