تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 5370

مساهمون:

ص٥٣٧٠
والدعوة الثانية هي دعوة بالعاقبة ، وهي قوله ضارعا إلى ربه :
وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ
الآخرين أي الذين يجيئون بعده ، و
لِسانَ صِدْقٍ
فيه إضافة اللسان للصدق أي بأن يكون الصدق مستغرقا له ، بحيث لا يقال عنه إلا ما هو صدق ، وأن يكون اللسان صادقا دائما ، وأن يمتد الصدق منه وفيه إلى ما بعده ، وإن لسان الصدق يكون بعده يكون بأمور ، منها أن يكون ذكره حسنا صادقا من بعده ، بأن يكون أثرا محمودا من بعده ، ويكون نافعا بعد مماته كما كان نافعا في حياته ، ومنها أن تكون دعوته إلى الحق باقية من بعده يرددها الناس ، ويدعون إليها ، ومنها أن تكون له محبة ومودة بين الناس من بعده ، كما كانوا يودونه في حياته ، كما قال تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا
( 96 ) [ مريم ] . هذا ، وإن النص الكريم يدل على أن حب المحمدة بين الناس ليس أمرا غير صالح ما دام يقصد إليها النفع والخير ، وعموم الإصلاح وما دام لا يتعالى ولا يستطيل على الناس . والدعوة الثالثة ، هي ما ذكرها بقوله :
وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ
أي اجعلني في جنة النعيم ، وعبر بهذا التعبير للإشارة إلى أن جنة النعيم تكون ميراثا للعمل الصالح ، وطلبها من اللّه تعالى مع أنه عمل عملا صالحا ، للإشارة إلى أن عمله لا يعطيه ذلك الحق إنما هبة من اللّه تعالى ومنة وفضلا ، فلا يستحق عامل بعمله إلا أن يتغمده اللّه برحمته . بعد ذلك اتجه إلى ربه بالدعاء يصلح به نفسه ، اتجه إلى ربه في شأن أبيه وقد وعده بأن يدعو له ، كما جاء في سورة مريم :
سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا
( 47 ) [ مريم ] أنجز خليل اللّه وعده ، وقال ضارعا إلى ربه :
وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ
( 86 ) طلب ذلك من اللّه ، ولكنه لم يصر عليه ، وإن كان قد أنجز وعده ، ولكن تبرأ من هذا الاستغفار ، كما قال في آية أخرى ،
وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ
( 114 ) [ التوبة ] . هذه الدعوات كلها مطالب من إبراهيم الخليل المخلص إلى ربه ، وهي مطالب إيجابية ، اتجه بعد ذلك إلى مطالب سلبية مانعة ، فقال عليه السلام :