تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 5367

مساهمون:

ص٥٣٦٧
عبادة الأوثان ، وتقليد الآباء عدو لي أناهضها وأقاومها إلا عبادة رب العالمين . فمعنى
إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ
على حذف مضاف إلا عبادة رب العالمين ، وقد ذكر عليه السلام صفات رب العالمين التي أوجبت عبادته والإذعان له ، فقال :
الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ( 78 ) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ ( 79 ) وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ( 80 ) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ
( 81 ) بعد أن ذكر لهم أن العاقل يعادى عبادة الأوثان ، ولا يرضى إلا بعبادة الديان ، أخذ إبراهيم يصف ربوبية اللّه تعالى له في حياته من خلقه إلى موته ، ثم بعثه ، وأنها منبه دائم إلى استحقاقه وحدة العبادة ، وأنه لا إله إلا هو ، وفي ذلك توجيه للعرب سلالة إبراهيم عليه السلام إلى نعمه تعالى التي تغمرهم في حياتهم اليومية ، والمستمرة ، ما داموا في قيد الحياة ، فذكر أول نعمة ، وهي الخلق والهداية ،
الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ
النون مكسورة إشارة إلى أن ياء المتكلم مطوية في الكلام طيا ، والفاء لبيان أن ما بعدها مترتب على ما قبلها ، فالهداية مترتبة على الخلق والتكوين ، وقد يقول قائل ، كيف يكون ذلك ، والناس منهم شقى ضال ، وسعيد مهدي ، ولو كانت الهداية مترتبة على الخلق لكان الناس جميعا في هداية غير مقطوعة ولا ممنوعة ؟ والجواب عن ذلك إن اللّه تعالى خلق الناس مختارين يريدون ، ويفعلون ويتحملون تبعات أعمالهم ، إن شرا فشر ، وإن خيرا فخير ، ولكنه هيأ فيهم أسباب الهداية ودعاهم إليها ، فقال :
وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها ( 7 ) فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها
( 8 ) [ الشمس ] وقال تعالى :
وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ
( 10 ) [ البلد ] نجد الخير ونجد الشر ، وإذا كان سبحانه قد خلق في النفس المسلكين بالاستعداد لهما ، فإنها إذا سلكت طريق الهداية فالهادي هو اللّه سبحانه وتعالى بما خلق من أسباب الهداية ، ولذا قال تعالى :
وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ
[ النحل : 93 ] ومن يضل يسلك مختارا طريق الضلالة . وإذا كان إبراهيم الرسول خليل اللّه فإنه سلك طريق الهداية فاللّه تعالى أرسله هاديا مرشدا ، وجعله من أولى العزم من الرسل .
زهرة التفاسير — صفحة 5367 | محمد أبو زهرة