والنعمة الثانية ذكرها إبراهيم بقوله تعالى كما حكى اللّه تعالى عنه ،
وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ
هذه نعمة أخرى من مظاهر الربوبية العالية ، وهي أنه يطعم عباده ، أي أنه سبحانه وتعالى هيأ لهم أسباب الطعام وأسباب الشراب ، فطعام الإنسان لحم شهي ، أو سمك طري ، أو خبز ، أو ثمر جنى ، وكل ذلك من اللّه ، فهو الذي أنبت النبات ، وأثمر الغراس ، وتغذى من النبات الأنعام ، وهو سبحانه الذي خلق الأنهار والبحار التي تعيش فيها الأسماك ، وهو الذي ينزل الأمطار فيشرب منها الإنسان والحيوان ، وهكذا هو الذي يطعم ويسقى ، بتضافر الأسباب سببا بعد سبب .
والنعمة الثالثة نعمة الشفاء من المرض ، وحكى اللّه تعالى فيها قول إبراهيم
وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ
وقد ذكر المرض وشفاء اللّه تعالى منه بعد الطعام والسقي للإشارة إلى أن بعض الأمراض سببها الإفراط في الطعام ، كما ورد في بعض الآثار : المعدة بيت الداء ، والحمية رأس الدواء . ومهما يكن من الطب والعلاج فالشفاء دائما من اللّه واهب القوى ، والقادر على كل شيء ، وكثيرا ما يقول الطبيب وقد عجز : إن الشفاء بمعجزة ، ويفوض الأمر إلى اللّه تعالى القادر على كل شيء .
الأمر الرابع الذي تبدو فيه ربوبية اللّه تعالى الكاملة
وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ
هذا شعور قوى بكمال الربوبية من خليل اللّه تعالى إبراهيم عليه السلام ، فهو وحده الذي يميت ، ولو كان الإنسان في بروج مشيدة ، وللناس آجال ، فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ، وإنه بعد الموت البعث ، وهو الحياة الأخرى الجديرة بأن تكون الحياة حقا وصدقا ، كما قال تعالى :
وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ
( 64 ) [ العنكبوت ] وعطف بثم في موضعها ، لأن البعث لا يكون عقب الموت ، بل يكون بينهما تراخ في الزمن حسا ومعنى ، أما الحس فظاهر ، وأما المعنوي فهو التفاوت بين حياة لاغية مكدودة ، وحياة بالنسبة لمثل خليل اللّه تعالى حياة هادئة لا لغوب فيها ، بل هي جنات النعيم .