الحال الخامسة هو ما يرجوه إبراهيم الذي كان في حياته أمّة ، كما يقول تعالى :
إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً
وهو
وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ
أي أنه يطمع ويسمى طلبه طمعا ، استصغارا لحسناته ، واستكبارا لسيئاته كشأن أهل الورع الذين يتقون ويخافون ، وتستشعر نفوسهم الخوف دائما ، كما كانت حال محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فقد كان لعظيم مكانته يطلب رحمة اللّه بالمغفرة لا بالجزاء .
والخطيئة هي الذنب الذي يستغرق النفس ، ويستولى عليها ، وقد كان إبراهيم كسائر النبيين يحسب ذنبه كبيرا ، وحسناته صغيرة ، ويوم الدين هو يوم الحساب والجزاء .
ويتجه إبراهيم إلى ربه راجيا داعيا ضارعا قائلا :
رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ( 83 ) وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ ( 84 ) وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ ( 85 ) وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ
( 86 ) .
ضرع إبراهيم إلى ربه فدعاه بما يدعو به الرجل الصالح الذي يريد أن يعاونه اللّه تعالى في الخط المستقيم الذي يسلكه ، فقال :
رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ
.
اتجه إلى ربه جل جلاله مناديا بالربوبية لأنها هي التي توجه وتربى النفوس ، وتجعل الرجل ربانيا ، وأول ما طلبه هو الحكم ، وهو الحكمة الضابطة المانعة للنفوس من التردى في مهاوى الهوى ، ومنازع الشيطان ، والحكيم هو الذي يمنع نفسه ويحكم عليها بالتزام الجادة وسواء السبيل ، ولقد قال أكثم بن صيفي :
الصمت حكم وقليل فاعله ، ونسب بعض الناس ذلك للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وإن الرجل المستقيم مبتدئ بنفسه فيروضها على الحكمة النافعة المهذبة ، فإذا امتلأ قلبه بها اتجه اتجاها مستقيما ، ونطق بالحق ، وسلك طريق الحق ، فكان الخلق المستقيم ، وكانت المعاملات المستقيمة ، وكانت الاستقامة في كل حياته ، وقد دعا إبراهيم أن يهبه اللّه حكما ، يكون أولا على نفسه ، وقال :
وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ
أي وفقني لكل أسباب الكمال ، والعلو في النفس والخلق لألحق بأهل الكمال والصلاح وأعدّ في زمرة الأبرار .