تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 5346

مساهمون:

ص٥٣٤٦
والمعنى في كلتا القراءتين القتلة التي قام بها الرجل القبطي ، إذ استغاثه الذي من شيعته ، قال فرعون :
وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ
، أي الكافرين بألوهيته ، وبأنه لم يكن ليذعن له كما يذعن الذين يعدونه إلها ، ويقول لهم ليس لكم من إله غيري ، وقال بعض المفسرين : المراد كفر النعمة ، ولا نحسب أن فرعون يرى من كفر نعمته قتل واحد من الرعايا ، ولو كان ذا صلة به كخادم أو نحوه ، فموسى فيما أحسب كان أقرب إليه من كل الخدم ، إذ امرأة فرعون قد اتخذته لها وله ولدا . لم ينكر نبي اللّه تعالى أنه فعلها كما وصف ، ولكن أنكر أنه ملوم لكفره به ، فقال :
قالَ فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ
. فعلتها إذ ذاك وأنا من الضالين ، ضلالا بريئا ، والضلال البرئ يكون بالجهل والنسيان والبعد عن التأنى والصبر ، وأخذ الأمور ، والاكتفاء في الدفاع عن الحق بأقل الأضرار التي ينزلها بالمعتدي ، فنبى اللّه النقى يعترف بأنه لم يسلك طريق الجادة المستقيمة ، وهذه حال موسى عليه السلام وإذا معناها إذ ذاك ، فالتنوين عوض عن المضاف إليه مرتبا الواقعة على مقدماتها من شر في القبطي أو المصري ، معترفا بأنه ضال ضلالا بريئا كما ذكرنا . ولما فعلها فرّ ، فقال :
فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ
الفاء عاطفة ، وقد ذكر سبحانه وتعالى أسباب الفرار وكيف كان في سورة القصص ، فقال عزّ من قائل
وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ ( 20 ) فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
( 21 ) . والفاء في قوله تعالى :
فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ
عاطفة ، والحكم هو الحكمة أي التجربة ، وبعد أن كان غفلا في النعمة في قصر فرعون اكتسب حكمة وتجربة ، وعمل وكسب ، فإن الشدة تصقل النفس ، وتربى الحكمة ووزن الأمور والأفعال ، ويصح أن يكون الحكم بمعنى الرسالة ، والأول أولى ؛ لأن التأسيس أولى من التأكيد ، وجعلني رسولا من المرسلين الذين أرسلهم رب العالمين ، فقد جعله اللّه تعالى من أولى العزم من الرسل .
زهرة التفاسير — صفحة 5346 | محمد أبو زهرة