تتطاول إلا على أهل مصر ، الذين تعودوا الخنوع لحكامهم في ماضيهم وحاضرهم ، فقول موسى عليه السلام لطاغوت مصر عن رب العالمين
رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ
إبطال واضح لألوهية فرعون المدعاة ، وقد التفت موسى إلى من حوله الذين ينادون بألوهيته فقال محرضا لهم على التفكير بعقولهم ، فقال :
إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ
أي إن كنتم ذوى عقل تعقلون ، وتعلمون أن الألوهية ليست أجزاء مجزأة ، إنما هي سلطان على الوجود كله .
عندئذ أيقن فرعون أنه ينكر ألوهيته ، وأنه يحرض من حوله على إنكارها ، ويدعوهم إلى إعلان بطلانها ، هذا وفي ذكر المشرق والمغرب بيان لقدرة اللّه تعالى الباهرة ، وتنبيه إلى ما يشاهدونه كل يوم من شروق الشمس وغروبها في المغرب ، والشمس بذلك تنتقل في مداراتها ، فهل فرعون يفعل هذا ، إنه ليس برب ، ولا بإله .
اتجه فرعون إلى حجته التي يحسبها دامغة ، وهي ذريعة الطغيان فقال :
قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ
( 29 ) .
اللام هي الممهدة للقسم ، وقد أكد تهديده بقول يشبه القسم ، أو أقسم بما يقسم به مثله في طغوانه ، واتخذت معناها : جعلت لك إلها غيرى ، وكأن الألوهية أمر يجعل ، وليس إذعانا لحقيقة ثابتة في الوجود يخضع لها العبد بسلطان الربوبية وبسلطان الفطرة المدركة الواعية ، وذلك ضلال كل من كان الطاغوت ديدنهم الذي لا يخالفونه ،
لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ
هذا تهديد لموسى عليه السلام ، أي لألقين بك في السجن ، حيث لا تستطيع قولا ، وتكون في ضمن المسجونين الذين لا يسمع لهم صوت ، ولا قول .
ولكن موسى كليم اللّه لم يرعه ذلك ، ولم يرهبه ، بل أخذ يدير القول إلى الحجة والبرهان فقال لفرعون :
قالَ أَ وَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ
( 30 ) .
كان فرعون رجلا يؤمن بالأمر المحسوس ، فجاراه موسى عليه السلام فيما يؤمن فقال ما قال :
أَ وَلَوْ جِئْتُكَ
الواو عاطفة على فعل محذوف تقديره يناسب