على أساس أنهما رسولان ، وإن كانت الرسالة واحدة ، وأسندت إلى رب العالمين أي ربك ورب آبائك الأولين ، ورب الناس أجمعين ، فهو خطاب يوجب الخضوع للّه تعالى من فرعون طاغية الأرض ، ومن معه من قومه الذين يمالئونه ، ويشجعونه .
أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ
أن هنا تفسيرية ، أي أن تفسير القول هو هم أرسل معنا بني إسرائيل ، ويلاحظ هنا أن الرسالة ليست لبنى إسرائيل خاصة ؛ إنما هي دعوة إلى التوحيد ، ورفع الظلم ، وابتدئ ببنى إسرائيل ، لأن ظلمهم صارخ ، إذ هو يذبح أبناءهم ويستحى نساءهم .
هذا الكلام الذي سبق كله كان أمر اللّه تعالى لموسى ، وكان كلام موسى وهارون لفرعون ، فبما ذا أجاب فرعون ؟ .
قالَ أَ لَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ ( 18 ) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ ( 19 ) قالَ فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ ( 20 ) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ ( 21 ) وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ
( 22 ) .
ابتدأ الكلام بعتب ، واتهام بكفر النعمة ، أو كفره بألوهيته ، قال فرعون
قالَ أَ لَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً
الاستفهام إنكاري بمعنى النفي . والمعنى : لقد ربيناك فينا ، أي في وسطنا مكرما فينا عزيزا ، أي خلطناك بأنفسنا خلطا وكأنك منا ،
وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ
، أي أقمت فينا مختلطا بنا سنين ، الظاهر أنه بقي فيهم حتى بلغ الرشد ، وصار شابا سويا ، يدبر أموره ، ويعرف غاياته ، ومقام رب العالمين ، وخصوصا أن جزءا من التربية كان مع أمه ، كما قال تعالى :
فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها
ويقال إنه مكث في بيت فرعون إلى أن بلغ ثلاثين سنة ، والراجح عندنا أنه مكث حتى صار رجلا سويا ، بدليل ما آتاه اللّه من قوة عندما استغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه .
ثم ذكر بعد المودة المقربة ، ما فيه لوم له
وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ
قرئت بفتح الفاء في فعلتك وكسرها ، وعلى الفتح تكون للمرة وعلى الكسر تكون للهيئة ،