ثم بين كليم اللّه أن النعمة التي يمن بها عليه هي نعمة سببها أشد النقم ؛ لأنها كانت بسبب إيذائك المطلق لبنى إسرائيل مما جعل أمه تلقيه في تابوت في اليم فيكون في قصر فرعون ، فلولا هذه النقمة الفاجرة ما كانت تلك النعمة التي تمن بها ، وتستطيل علىّ بذكرها ، ولذا قال :
وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ
( 22 ) الإشارة إلى نعمة التربية وليدا وإنه لبث فيهم من عمره سنين
تَمُنُّها عَلَيَّ
أي تمن بها عليّ أنك عبّدت بني إسرائيل ، وفي هذا إشارة إلى سبب النعمة ، وهو أنه عبّد بني إسرائيل وأذلهم وذبح أطفالهم ، واستحيا نساءهم فاضطرت أمه إلى ما كان مؤديا بإنعام اللّه إلى قصره ، وإشارة أيضا إلى أنه يقابل هذه النعمة إذلاله لقومه بني إسرائيل .
اتجه فرعون من بعد ذلك إلى السؤال عن رب العالمين :
قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ ( 23 ) قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ ( 24 ) قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَ لا تَسْتَمِعُونَ ( 25 ) قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ
( 26 ) .
- الاستفهام من فرعون عن الذات العلية يتعرف ماهيتها وحقيقتها ، فالاستفهام بم يدل على ذلك ؟ أي ما هو ؟ ما ذاته ؟ قال موسى مجيبا ، إجابة هادية مرشدة إلى أن الذات لا يستفسر عنها ، إنما يعرف رب العالمين بخلقه ، فقال :
رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ
( 24 ) ورب السماوات تتضمن أنه خالقهما وموجودهما والقائم عليهما ، كما قال تعالى :
إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا
وما بينهما هو الفضاء القائم ، والذي تكون فيه السحاب وينزل منه المطر ، وذكر السماوات فيه إشارة إلى أن اللّه رب الشمس التي كانوا يعبدونها باطلا باسم رع
إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ
، أي إن كنتم تريدون الحق الذي تسيرون عليه في طريق اليقين والإذعان ، ولكن فرعون خشي على قومه من أن يتأثروا بقول موسى الكليم ، فأراد أن ينبههم إلى سلطانه
قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَ لا تَسْتَمِعُونَ
النص تحريض منه لمن حوله على الاستماع والتأمل وهو جدير بالنظر والتفكر ، موهما لهم أن ذلك لا يناقض ألوهيته ولا يعارضها ، ولكنه جدير بالنظر ، وقد يكون ذلك استنكارا لأن يكون لأجرام السماوات والأرض موجه غيره