مما جعل موسى عليه السلام يوجه للتعريف برب العالمين إلى مقام آخر ، يبين عظم ربوبيته على الماضين والحاضرين وإنكم وفرعون لستم إلا طبقة من طبقات الوجود الإنساني :
قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ
.
التفت فرعون لمن حوله كأنه ينبههم إلى إنكار موسى لألوهيته المقررة الثابتة عندهم ، فنبههم موسى أولا : إلى أن اللّه ربكم الذي خلقكم وأنشأكم ، وخلق آباءكم الأولين ورباهم وكونهم ، فهل فرعون خلق وقدر ، وهو المخلوق الذي لا يخلق ، ولا يقدر ، وثانيا : إلى أن اللّه رب آبائكم الأولين قبل أن يوجد فرعون ، وثالثا : إلى أن الرب يجب أن يكون قديما باقيا ، ولا يكون محدثا فانيا ، كفرعون .
- كان كلام موسى عليه السلام متضمنا حجة قوية لإبطال ألوهية فرعون ، وإنه بشر كسائر البشر ، لا يملك خلقا ولا إنشاء ؛ ولذلك اتجه فرعون إلى رمى موسى بالجنون أولا ، وتهديده بالسجن ، فقال :
قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ ( 27 ) قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ( 28 ) قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ ( 29 ) قالَ أَ وَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ
( 30 ) .
أول رمية رمى فرعون بها موسى هي الجنون ، كما كان المشركون يقولون ذلك عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وفي ذلك تسرية عن النبي صلّى اللّه تعالى عليه وسلّم ، وأكد فرعون جنون موسى بأنّ ، وبلام التوكيد ، وبالجملة الاسمية ، وذكره بوصف الرسالة تهكما وإمعانا في الإنكار والتنفير ، وأنه مع جنونه المدعى أرسل إليكم ، وفي ذلك تحريض على استنكار رسالته كأنه يقول : اختير لكم رسول مجنون .
ولكن موسى كليم اللّه لم يرعه ذلك الكلام الباطل ، ولم يهتز له ، بل استمر في بيان بطلان ألوهية فرعون ، فقال أن ربه رب الكون :
رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ
أي أن أقصى سلطان فرعون أن يكون في مصر ، ومصر ليست إلا جزءا من الأرض ، والرب الخالق يكون رب الجميع من سكان الأرض ، والسماوات ، والشرق والغرب ، فهل تستطيع أن تدعى هذا ؟ بل إنك لا يمكن أن