هذا جواب موسى لربه ، وقد فصلت هذه الجملة لأنها جواب عن سؤال مقدر ، وكيف أجاب موسى ، وصدر كلامه بالنداء لربه ، للدلالة على شعوره بأنه في كلاءته ، وأنه سيعمل في رعايته وحمايته ،
إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ
بكسر النون للإشعار بأن ياء المتكلم محذوف ، والخوف هنا لا يتضمن معنى النكوص عن الاستجابة لربه ، إنما يتضمن معنى تقدير الموقف وإرادة الاستعداد ، والشعور بعظم المهمة التي كلفه اللّه تعالى إياها ، وإنها تحتاج إلى جمع كل ما عنده من قوة ، وقد أحس بموضع الضعف فيه ، وهو البيان مع توقع الضيق والحرج ، ولذا قال :
وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ
( 13 ) .
ضيق الصدر هو من التكذيب والمباهتة في قوة من فرعون ، وطغيانه ، فيكون في شدة من هجوم الباطل المؤزر بالطغيان الفرعوني ، مع حبسة اللسان فلا يستطيع رد إنكار أولئك الكاذبين المكذبين المزودين بطغيان عظيم ، ولذا استغاث بربه قائلا :
فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ
والفاء لبيان أن ما بعدها مترتب على ما قبلها ، أي فإنه يترتب على هذه الحال التي أكون عليها أن أطلب إليك أن ترسل إلى أخي هارون بأن تجعل له رسالة معي ، و
( إِلى )
تدل على أن النهاية أن يكون رسولا معي ، وهذا كقوله تعالى :
رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ( 25 ) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ( 26 ) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي ( 27 ) يَفْقَهُوا قَوْلِي ( 28 ) وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي ( 29 ) هارُونَ أَخِي ( 30 ) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي ( 31 ) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ( 32 ) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً ( 33 ) وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً ( 34 ) إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً
( 35 ) .
أجاب اللّه تعالى طلب موسى عليه السلام ، وقال في آية أخرى :
قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى
( 36 ) ولكن موسى عليه السلام ذكر أن له عندهم ذنبا ، وأنه يخاف أن يقتلوه فقال :
وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ
والنون مكسورة منيبة عن ياء متكلم محذوفة ، والذنب ليس إثما ذاتيا ، إنما هو ذنب عندهم ، فهو ذنب لهم ، قد قدر موسى الكليم أن يشطوا عليه ويقتلوه ، وذلك الذنب أنه قتل واحدا من المصريين ، لاعتدائه على إسرائيلي من قومه ، وقد قال تعالى في ذلك في سورة القصص
وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ