وإن ذلك كله بقدرة اللّه تعالى وإبداعه في هذا الوجود ، ولذا ختم اللّه تعالى الآية بقوله عزّ من قائل ،
وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً
وكان ربك خالقك الذي أنشأك ويكلؤك ويرعاك قادرا قد علت قدرته كأقصى ما يتصور العقلاء ، و
( كانَ )
هنا هي الدالة على الاستمرار والدوام ، أو الكينونة الدائمة .
ومع هذه القدرة القاهرة ، والعجائب الباهرة ، وكما رأيت من مد الظلال ، وخلق الليل والنهار ، ومرج البحرين ، وخلق الإنسان من ماء ، مع كل هذا تجد الذين سيطرت أوهامهم يعبدون حجارة لا تنفع ولا تضر ، ولذا قال سبحانه عقب ذلك :
وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً
.
وَيَعْبُدُونَ
الواو هنا واو الحال ، والمعنى : هذه قدرة اللّه القاهرة الباهرة مع أنهم لم يعتبروا ولم يدركوها ، والحال أنهم يعبدون من دون اللّه أحجارا ، أو ما يشبهها لا تنفعهم بشيء قط بحيث يعبدونها رجاء ، ولا تستطيع ضررا لهم فتكون العبادة دفعا لهذا الضرر ، فهي لا حياة لها ، وهي دونهم ، ولكن الوهم جعلهم يعبدونها ، مع هذه الحال .
وقال تعالى :
وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً
روى عن مفسري السلف ، أن ظهيرا معناها أن الكافر يظاهر الشيطان على اللّه تعالى ، إذ يدليه بغروره فلا يعبد اللّه ، ويعبد الحجارة ، وهذه المظاهرة على اللّه تعالى ربه الذي خلقه وأنعم عليه ، وأسبغ عليه ظاهرا وباطنا ، وذكر الكافر بالوصف ، للإشارة إلى أن سبب ذلك هو ضلال الكفر وطمسه لبصيرة عابد الأوثان .
وفسر بعض العلماء
ظَهِيراً
أي مهينا ، والمعنى هينا على ربه لا يضره كفره ، وقالوا إن ذلك من قولهم ظهرت عليه ، أي جعلته وراء ظهري ، لا ألتفت إليه ، ولا أهتم به ، وذلك قريب من قوله تعالى :
. . . وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا . . .
( 92 ) [ هود ] ، وهذا القول قاله أبو عبيد ، وهو قائم على أن ظهير بمعنى مظهور أي ملقى وراء ظهره .