تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 5300

مساهمون:

ص٥٣٠٠
ثقيل فكلاهما لا يمتزج بالآخر ، وإن كان ماء البحر على ماء النهر ، ولذا قال تعالى : في هذا النوع من المرج
مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ ( 19 ) بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ ( 20 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ
( 21 ) [ الرحمن ] . وبعد أن بين سبحانه ما في الكون من عجائب وبدائع بادية للعيان ، ويدرك بعضها الجنان عاد بنا إلى الإنسان المخاطب بالتكليف فقال :
وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً
. الضمير
هُوَ
يعود إلى اللّه جل جلاله خالق الوجود كله جليله ودقيقه ، وفي هذه الآية يقول عزّ وجل أنه خلق من الماء بشرا ، ونجد في النص تفاوتا بين الماء المخلوقة ، والمخلوق منه البشر ، فهذا ماء ظاهر أنه لا حياة فيها يكون منه بشر له حياة وحس ظاهر وخفى ، والماء لا يتألم ، والبشر يتألم ، ومع هذا التغير الظاهر كان المخلوق والمخلوق منه موجودين في كيان واحد ، وما ذلك إلا بقدرة العليم الحكيم الذي يغيّر ولا يتغير ، ويحول ولا يتحول ، وقد خلق البشر الحي الحساس من الماء مرتين : أولاهما - أنه ككل حي متحرك ينمو كان من الماء ، فالماء كان منه الزرع والثمار وغيرهما ، والإنسان كان من النبات ، ونما من الحيوان ، كما قال تعالى :
وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ . .
( 30 ) [ الأنبياء ] ، وخلق من الماء وهو المنى ، وما هو إلا ماء مهين ، لا يعبأ به النظر ، وأشار سبحانه إلى أن هذا الذي كان منه الماء يتوالد ، ويتلاحم البشر في الأسر والقبائل ، والشعوب ، ولذا قال مشيرا إلى هذا التوالد ، فقال :
فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً
وهذا فيه إشارة إلى الصلات الإنسانية التي تربط الإنسان ، وتكون منها المودة الراحمة الواصلة . إما بتوالد نسبى يجمعه الأصل ، والنسب ، وإما بسبب صهرى ، ولقد ذكر الزمخشري أن ذكر النسب والصهر والسبب إشارة إلى أن العلاقة الإنسانية تكون بنسب الرجال ، أو بالمصاهرة التي تكون بالنساء إذ تكون بالمزاوجة ، والمرأة هي السبب في علاقتها ، كما قال تعالى
فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى
( 39 ) [ القيامة ] .