تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 5298

مساهمون:

ص٥٢٩٨
وقد ذكر سبحانه آياته في خلقه الدالة على قدرته القاهرة ، وإبداعه الباهر ، فقال عزّ من قائل :
وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً
. الضمير يعود إلى اللّه جل جلاله ، ومرج ، لها معنيان وردا في لغة العرب ، المعنى الأول - خلّى وأرسل ، والمعنى الثاني - خلط من غير امتزاج ، وإدخال أحدهما في الآخر ، وقبل أن نخوض في معنى الكلمات والأسلوب نقرر أن هذه الآية من دلائل الإعجاز ؛ لأن محمدا لم ير البحار التي تمخر عبابها السفن ، فذكره سبحانه وتعالى لخواصها في القرآن دليل على أنه ليس من عند محمد صلّى اللّه عليه وسلّم الذي لم يرها ولم يعرفها ، ودليل على أن الكلام للّه تعالى خالق البحر واليابس ، والأنهار والبحار ، وهو بكل شئ عليم . والمعنيان للمرج يستعملان في هذا المقام ، فاللّه سبحانه وتعالى خلّى البحرين يجريان كل منهما في مجراه من غير أن يمتزج أحدهما بالآخر ، وهما غير متجاورين أحيانا ، وأحيانا يكونان متجاورين يختلطان ويتجاوران ولا يمتزجان ، والبحران هما النهر العظيم كالدجلة والفرات والنيل وسيحون وجيحون وغيرها من الأنهار العظيمة الذي يخليها اللّه تعالى ويرسلها في المروج ، فتنبت الزرع نباتا وغراسا ، ويشرب منها الناس ، ويسقون دوابهم وأنعامهم ، والبحر الثاني هو البحر الملح ، كبحر الروم وبحر القلزم ، وبحر الهند ، وبحر الظلمات وغيرها ، والأول عذب فرات ، والثاني ملح أجاج ، أي ملح شديد الملوحة ، وفيه أحيانا دفء ، وفيه نعم لا تحد ، ففيه الجواهر والياقوت والمرجان ، وفيه اللحم الطيب ، وهواؤه فيه مواد مطهرة للصدر ، فيه اليود ، ومنه تنبعث الريح ، وفيه تجرى البواخر كالأعلام وفي هذا بيان نعمة اللّه تعالى في الماء العذب الفرات الذي يكون لسقى الأرض وإحياء نباتها وغرسها . وقد ذكر الحافظ ابن كثير عجائب اللّه تعالى في البحر الأجاج ، فذكر ما