تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 5299

مساهمون:

ص٥٢٩٩
يكون فيه من مد وجزر تبعا للقمر ، فقال رضى اللّه تعالى عنه في تفسير
وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ
: أي مالح مرّ زعاق لا يستساغ كالبحار المعروفة في المشارق والمغارب والبحر المحيط . وأخذ يضرب الأمثال حتى قال : وما يشابهها من البحار الساكنة التي لا تجرى ولكن تموج وتضطرب وتلتطم في زمن الشتاء وشدة الرياح ، ومنها ما فيه مد وجزر ، ففي أول كل شهر يحصل مد وفيض فإذا شرع الشهر في النقصان جزرت حتى ترجع إلى حالتها الأولى ، فإذا استهل الهلال من الشهر الآخر شرعت في المد لليلة الرابعة عشرة ، ثم شرع في النقص فأجرى اللّه سبحانه وتعالى تلك العادة . وإن نعم اللّه تعالى في البحار كما ذكرنا عظيمة ، وقد سئل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن ماء البحر فقال : « هو الطهور ماؤه الحل ميتته » . وقد أشار سبحانه إلى أن كلا من البحرين العذب الفرات والملح الأجاج كلاهما محجوز عن صاحبه ، بل يأخذ الإنسان من كل منهما منافعه ونعمه من غير أن يختلط أحدهما بالآخر ، فيختلط الملح بالعذب الفرات ، فلا ينتفع الإنسان بشربه ، ولا الزرع بسقيه . ولذا قال :
وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً
أي جعل بينهما حاجزا مانعا ، وحجرا ، أي حدّا ، وهو بمعنى محجوز ، كنقض بمعنى منقوض ، وأكد سبحانه المنع ، فقال :
وَحِجْراً مَحْجُوراً
أي حدا ممنوعا لا يمكن أن يعدو أحدهما . وقد قلنا إن
مَرَجَ
هنا بمعنى خلا وأرسل ، وقد بينا معنى مرج البحرين على ذلك المعنى ، وهي أيضا بمعنى خلط وجاور من غير أن يمتزج الماءان كل منهما بالآخر مع أن الماء سريع السيران ، ويتم الامتزاج فيه ، لكن في النوعين من الماء نجدهما يتجاوران مختلطين بالجوار غير سائل أحدهما في الآخر ، فتجد في مصبات الأنهار حيث يختلط ماء النهر وتجاور ماء البحر ، تجد بينهما مانعا حسيا يكون كل واحد منهما متميزا بحيزه لا يعدوه ؛ لأن ماء النهر خفيف ، والماء الملح