حينئذ رؤية علمية إلى صانع المد ، وما يكون حتى مطلع الشمس ، والمد كما قلنا هو السحب والجر ، والظل وهو ما لا تظهر فيه الشمس ، سواء أكانت في حال إشراقها ، أم في حال زوالها ، وهو هنا ما قبل إشراقها ، وهو يمتد شيئا فشيئا ، فالفجر ينبلج ، ثم يكون الإسفار متدرجا حتى تطلع الشمس فهو كقوله تعالى :
وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ
( 18 ) [ التكوير ] ، إذ يمتد الظل شيئا فشيئا ، ويبرز الناس إلى الحياة متدرجين في بعث الحياة في الأعمال ، وكأنه يتنفس تنفسا .
هذا توجيه إلى تعرف بدائع الخلق ، وإنه في هذه الحال ، تكون الراحة النفسية ، واستقبال الحياة مبشرا ، وإن ذلك صنيع اللّه تعالى خالق كل شئ ومبدعة ، خلقه سبحانه بإرادته المختارة ، التي ينشئ بها كل شئ في الوجود ، فلا تصدر عنه صدور العلة عن معلولها ،
وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً
، أي باقيا مقيما ، وتكون كلمة ساكنا وضعا من السكنى ، وعندئذ لا تبعث الراحة والسعادة والاستبشار ، وقد قال تعالى في آية أخرى
قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ . .
( 71 ) [ القصص ] ، فسبحان مقلب الأحوال ، وسبحان مقلب القلوب .
قال تعالى :
ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا
انتقل السياق القرآني من الغيبة إلى المتكلم ؛ لبيان إرادة اللّه الواضحة ، وأنه هو الفاعل المختار ، ولتربية المهابة في النفوس بخطابه بذاته العلية خطابا واضحا معلما ، والعطف بثم للإشارة إلى التفاوت بين الظل والشمس الساطعة ، وكانت الشمس دليلا على الظل ، لأن إشراقها نهايته ؛ ولأن ضوء الشمس يدخل في ظلام الليل شيئا فشيئا من انبثاق الفجر ، فهو الدليل الواضح للظل ، حتى يكون الصباح .
وإنه بعد الإشراق يأخذ الظل في الانقباض حتى يكون الظلام الحالك ، ولذا قال تعالى :
ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً
وإنه بعد إشراق الشمس يكون الظل والحرور ، ويستمر طول النهار مصطحبا مع الشمس المشرقة والنور حتى يكون في الغروب وتختفى الظلال والأضواء ويكون الظلام الدامس ، والليل الذي تستكن فيه